في مقاطعة (مارين) بولاية كاليفورنيا الأمريكية, يحرص الأزواج على مراجعة زوجاتهم وتحذيرهن, عند دعوتهن لتناول العشاء في أحد مطاعم المقاطعة, ألاّ يستخدمن العطور, فالمطعم واحد من المحلات العامة التي تحظر دخول (المتعطرين) إليها!
وفي مدينة أخرى, هي (هاليفاكس), يرفض معظم وحدات الدواوين العامة التعامل مع ذوي العطور الفوّاحة, ويحظر على الموظفين التعطّر قبل الخروج إلى العمل!, كما يحرص بعض أصحاب الأعمال الخاصة على تعليق لافتات تعلن أن مكاتبهم خالية من العطور! وتتبنى منظمة بيئية أهلية, في شمال الولايات المتحدة الأمريكية, الدعوة إلى حظر استخدام كل منتجات العطور في الأماكن العامة, وتنظم حملات دعائية لإقناع الرأي العام باتخاذ هذا التوجه كسياسة عامة, وتدعم دعوتها بإحصائيات رسمية تقول إن ثلث عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية يعانون بعض المشاكل الصحية (الصغيرة), مثل الصداع وحساسية الجلد, كنتيجة مباشرة لاستخدام العطور في صورها المختلفة, وأن ذلك يحمّل الصناعة الأمريكية أعباء تقدّر بخمسين بليون دولار, سنوياً. وفي خارج الولايات المتحدة الأمريكية, في الدنمارك, يعاني 2% من السكان مرض (الإكزيما), بسبب العطور.
أعلم أننا, في عالمنا الثالث, مازلنا نجد صعوبة في منع بعض (أهلنا) من التدخين في الأماكن العامة, لذلك, فإن مسألة العطور قد تؤخذ باستخفاف, ولكني أدعوك لمراجعة نفسك - قارئي العزيز - فقد تكتشف أنك قد تعرّضت لهجوم عطري, ولكن الأمر لم يستوقفك, ويذكر كاتب هذه السطور أن الظروف أجبرته على التخلي عن مكانه الأثير, في الصفوف الخلفية التي اعتاد عليها في قاعة الأوركسترا السيمفوني, إذ جاءته بطاقة دعوة في الصفوف الأولى, حيث سيدات ورجال المجتمع الراقي, وقد جلسوا جميعاً في جو أوركسترالي غير موسيقي, بل عطري, وحاول صاحبنا أن يكون مجاملاً ويخفي معاناته, ولكن حساسية الأنف لم تحترم (فالس) أغاني الحب, لبرامز, فبدأت موجة العطس بمجرد أن رفع المايسترو عصاته!, وأعرف أصدقاء وأقارب تعتريهم درجات مختلفة من ضيق التنفس والصداع والحكاك, عند الوجود في مكان مغلق به متعطرون, وتشير تقارير طبية إلى حالات مرضية يسببها التعرض للعطور, تشمل نوبات الربو, والطفح الجلدي, وضعف التركيز, وخفقان القلب, والغثيان والتهاب الجيوب الأنفية.
لقد وجد العلماء أن الكيماويات التي نرشّها, راضين, على جلودنا - وهل العطور إلا كيماويات? - تتسرّب من خلال الجلد إلى الكبد والكلى, ويختزن بعضها في دهون الجسم, وهذا الأمر الأخير يثير المخاوف في حالة الأمهات اللاتي يرضعن أطفالهن, إذ إنه يعني وصول نفس النسبة من الكيماويات التي دخلت جسم الأم, إلى جسم رضيعها, عبر حليب صدرها, وقد تؤذي الرضيع.
ويتوقف تقرير طبي عند أحد مكونات العطور, وهو المسك الصناعي, ويقول إن له آثاراً ضارة على منظومة الهورمونات البشرية, فإذا تعرض الإنسان لتركيزات عالية منه, زادت احتمالات الإصابة بسرطانات الصدر والخصية والبروستاتا, ونقصان عدد الحيوانات المنوية عند الرجال والبلوغ المبكر للفتيات.
أما أخطر الطرق التي تهاجمنا منها العطور, فهو الأنف, حيث يحملها هواء الشهيق, مباشرة, إلى الجهاز العصبي والمخ. وفي حين توجد عوائق تحول دون وصول المواد السامة المحمولة في الدم إلى المخ, فإن هذا العضو فائق الحساسية والأهمية في جسم الإنسان يستقبل الكيماويات السامة القادمة مع الهواء المار في المسارات التنفسية ذات الصلة المباشرة بالجهاز العصبي, ولعل ذلك يفسّر لنا التأثير الفوري لشم الكوكايين على الجهاز العصبي والمخ. وبالرغم من هذه الحقيقة, فإن الاختبارات التي تجريها الشركات المنتجة للعطور, على أصنافها الجديدة, تقتصر على حساسية الجلد.
حسناً, دعونا نعد إلى حقائق الكيمياء, لنضفي على حديثنا مزيداً من الصبغة العلمية. إن صناعة العطور تعتمد على أكثر من خمسة آلاف مركب كيميائي, منها 95% مشتقات بترولية, وتشتمل على مركبات مسرطنة, وأخرى مثبطة للجهاز العصبي المركزي, ومؤثرة على الجهاز التنفسي, ومسببة لأنواع من تفاعلات الحساسية. وقد نشرت وكالة حماية البيئة الأمريكية تقريراً عن عشرين مركبا كيميائيا, هي الأكثر شيوعاً في معظم أنواع العطور المستخدمة بالعالم, جاء بينها الأسيتون, وخلات الإيثايل, والكحول الإثيلي, ويجسد التقرير خطورة هذه الكيماويات, فيعلق قائلا: إنها كيماويات لا يحق لأحد أن يتخلص منها بجوار بيتك, فمن حقك أن تقاضيه إن فعل ذلك, ولكنك لا تملك أن تفعل شيئاً إذا جاءتك في هيئة منتج تضعه على جلدك أو تتعطر به. ومن الكيماويات المسرطنة التي وردت في قائمة العشرين مركبا: خلات البنزايل, والليمونين, وكلوريد الميثايلين, بالإضافة إلى تسعة مركبات أخرى ضارة بالجهاز العصبي. ويتوقف التقرير, بصفة خاصة, أمام (التولوين), الذي يشارك في تركيب أعداد كبيرة من العطور المنتشرة في العالم, وهو مركب كيميائي مسرطن, ومؤثر على الجهاز العصبي, ويصيب المتعرضين له بالربو, وبالرغم من كل ذلك, فإنك قد تقف أمام واجهة متجر للعطور, ويبهرك منظر زجاجة بهيئة القلب, فتسارع إلى شرائها, لتستعملها بنفسك, أو لتهديها صديقاً, حاسباً أنك اشتريت حلماً, والحقيقة أنه كابوس!
إنها مشكلة حقيقية, ينبغي أن نعالجها بجديّة, وأن يشاركنا في معالجتها صنّاع العطور, فالطبيعة الخاصة لهذه الصناعة تستوجب أن تحتفظ بأسرارها تحت أغطية كثيفة من السحر والغموض, فلا يمكننا أن نطلب من مصانع العطور أن تحذو حذو مصانع الأدوية, فترفق بمنتجاتها ورقة إرشادية تشتمل على تركيبها الكيميائي, وتحذيرات من المضاعفات المتوقعة أو المحتملة لبعض المركبات الكيميائية الداخلة في صناعتها. ويحاول متحدث باسم واحدة من كبريات الشركات المنتجة للعطور أن يصل إلى حل يرضي كل الأطراف, فيقول إن بعض الشركات قد بدأت تعلن عن تركيبات جانب من منتجات العناية الشخصية ومستحضرات التجميل, ليتفادى ذوو الحساسية مسببات الحساسية, أما بالنسبة للعطور, فإننا قد بدأنا ننظر لمرضى الأكزيما, ونناقش الآن الأسلوب الأمثل لوضع علامة على العطور المحتوية على كيماويات تضر هؤلاء المرضى.
على أي حال, وقبل كل شيء, نرجو ألا يغيب الجانب الأخلاقي عند التعرض لهذه المشكلة ذات الحساسية الخاصة, وليتذكر كل منا, وهو يمد يده إلى زجاجة العطر, وقد اتخذ هيئته لمغادرة بيته, أنه مقدم على التعامل مع كيماويات فعّالة, وأنه قد يتسبب في إيذاء رفاقه وأهله, بل وقد يجلب الضرر لنفسه, بنفسه!
البقطرياني البري
والبقطرياني اسم معجمي للجمل ذي السنامين, ويقال له أيضاً (جمل خراساني), ويعيش في السهول والهضاب الجافة لمنغوليا والصين. وفي الصورة, بقطرياني وليد بصحبة أمه, وتبدأ تلك الصحبة منذ اليوم الأول للميلاد, ويغيب الاثنان في عزلة تدوم أسبوعاً, ثم لا يلبثان أن يعودا لينضما إلى بقية القطيع, وقد صار الصغير قادراً على تحمّل مسئوليات الحياة.
والبقطرياني البري أقدم من الجمل الأليف في تاريخ الحياة على الأرض, وهو أشد ضموراً وأقل صوفاً, ويمكنه أن يصبر على الجوع والعطش لمدة عشرة أيام, في مسيرة طويلة ومجهدة باتجاه مناطق الواحات, حيث الأعشاب الطويلة الطرية, والماء.
وقد أدت عمليات الصيد الجائر, والذئاب المفترسة, إلى تقلّص تجمّعات الجمل الخراساني, حتى أصبحت محدودة في ثلاث تجمّعات صغيرة, لا يزيد مجمل تعدادها على 900 جمل, مما جعله في عداد الكائنات الحية المهددة بخطر الانقراض.
بناء الجسور من أجل المياه
هل نحن مشغولون ومهتمون, كما ينبغي, بمسألة المياه? هاهو الزمن ينعطف بنا إلى ألف ثالثة من تاريخ الحضارة البشرية, ليجد سكان كوكب الأرض أنفسهم يواجهون تحدّياً لم يواجهوا مثله من قبل, في حجمه ودرجة تعقيده, مجسّداً في مشكلة الموارد المائية. هذا ما أكّدته الندوة الدولية للمياه, التي عقدت في (هاجو), بنورماندي - فرنسا, في مارس 2000, وشارك فيها 4700 خبير, والتي أعقبها اجتماع موسّع لوزراء الموارد المائية في العالم, هو الأول من نوعه في تاريخ الاهتمام العالمي بقضية المياه, والمسائل المتعلقة بها.
وتأكد لهؤلاء الخبراء والوزراء - أيضاً - حاجة العالم إلى مزيد من الفعالية, فيما يخص السياسات المائية, وإلى إجراءات أكثر حكمة وقوة, للسيطرة على هذه المشكلة, بحيث تشغل حجمها المناسب في اهتمامات كل البشر, فالأمن المائي هو حجر الزاوية في خطط التنمية المستدامة.
وبالرغم من أن العوز المائي يضرب الكثير من المناطق في العالم, فلاتزال الخلافات تثور بين توجهات عدة للتعامل مع المشكلة, يغذيها بعض العوامل, منها إهمال الشأن المائي من جانب بعض الإدارات السياسية في بعض المواقع بالعالم, ومنها تزايد آليات الضغط على الموارد المحدودة للمياه العذبة, وأهم هذه الآليات الزيادة السنوية في عدد سكان العالم, والتي تتراوح بين 30 و 70 مليون نسمة, والمتوقع أن تستمر حتى عام 2025. ومن الأمور الضاغطة على مشكلة المياه في العالم, أيضاً, التوسع العمراني والهجرة من الريف إلى المدن, والتصنيع, الذي يعد العماد الرئيسي للتنمية الاجتماعية والاقتصادية. ويزيد من تعقيد المشكلة, أن ثمة فجوة بين الحقائق العلمية المحددة لمشكلة المياه, وبعض المفاهيم السائدة بين العامة, بالإضافة إلى لجوء جهات صنع القرار - في كثير من الأحيان - إلى التهوين من أمر المشكلة, والاكتفاء بحلول وقتية متعجلة, وفي معظم الأحوال, فإن التركيز يكون على الظواهر المرئية والعاجلة, في حين تؤجل, أو تهمل, الأبعاد غير المنظورة للمشكلة, التي تزحف في الخفاء, وتؤدي - على المدى الطويل, إلى إضعاف أنظمة دعم الحياة في المجتمع.
وهكذا, تتضح الحاجة الملحّة إلى بناء جسور تربط مختلف قطاعات المجتمع بالتكوينات العلمية والفنية العاملة بالشأن المائي في العالم, لعلنا نستطيع أن نحدد ما الذي يشكّل سلوكيات العامة وآمالهم, فيما يتصل بمشكلة الموارد المائية, ولعله من المستغرب أن تجد الرأي العام يتابع باهتمام شديد أحوال البورصات العالمية, في حين لا تنال منه مسائل, مثل الأمن المائي, والتلوث, سوى الإهمال واللامبالاة!
لذلك, اختارت (ندوة ستوكهولم للمياه), التي ينظمها المعهد الدولي للمياه باستوكهولم, والتي تعقد سنوياً في العاصمة السويدية, أن يكون لدور انعقادها الحادي عشر, في الفترة من 13 إلى 16 أغسطس القادم, عنوان: الأمن المائي في القرن الحادي والعشرين, بناء الجسور عبر الحوار. والجدير بالذكر, أن ندوات الأعوام السابقة قد خلصت إلى استحالة أن يتحقق أمن مائي للبشر بغير تحوّل جذري في الأفكار, ليتبين للجميع أن مشكلة المياه هي مشكلة مجتمعية بالدرجة الأولى. وفي ندوة هذا العام, يأمل الخبراء والعلماء أن يحصلوا على إجابات لبعض الأسئلة الأساسية, بهدف التوصل إلى الأسلوب الأمثل لإدارة الموارد المائية المنهكة, بحيث نسبق الكوارث, بدلاً من أن تكون تصرفاتنا مجرد ردود فعل لها, ومن هذه الأسئلة: ماذا ينقص الخبراء والعلماء من أجل أن يصل صوتهم إلى مراكز صنع القرار ورجال الإدارات السياسية, لإقناعهم بأن تحتل المسألة المائية موقعها المناسب في قائمة العمل الاقتصادي, وبضرورة إعادة النظر في نماذج التنمية التي يتطلعون إلى تحقيقها في مجتمعاتهم, فمن غير المنطقي, مثلاً, أن تسعى دولة تعاني قصوراً في مواردها المائية إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الغذائية!
ومن هذه الأسئلة, أيضاً, ما يتصل بتلوث المياه, فكيف لخبراء المياه أن يوضحوا للساسة, وللرأي العام, حجم التكلفة الفعلية لمشكلة تلوث المياه, في المدى الطويل, على خطط التنمية الاجتماعية والاقتصادية? إن عدداً كبيراً من الدول الفقيرة لا يعطي لهذه المشكلة حقها من الاهتمام, ولا يسعى إلى حلها, مما يؤدي إلى تفاقم مشاكل التنمية لديه, بل وإلى تصدير هذه المشاكل إلى الأجيال التالية.
عودة النسر الملتحي
والنسر الملتحي واحد من نسور (العالم القديم), أوقعت به أنشطة الصيد خسائر فادحة, حتى كاد يختفي من القارة الأوربية. أخيراً, أفلحت جهود علماء البيئة في استرداد هذا الطائر الذي يعد أضخم طيور القارة الأوربية, ويبلغ اتساع جناحيه تسعة أقدام. وقد بدأت تلك الجهود مع نهاية الثمانينيات بتربية 88 نسراً, أطلق منها في البيئة الطبيعية - جبال الألب - 66 نسراً, يتابع العلماء, حتى الآن, قدرتها على التفاعل مع الحياة الطبيعية, بعد معيشة طويلة في أقفاص التربية.
حادث اعتيادي
لم تعد الصورة غريبة, فحوادث (جنوح) الحيتان ودخولها إلى المياه الشاطئية الضحلة, فيما يشبه الانتحار, تتكرر في كثير من المناطق الساحلية بالعالم. ويبلغ متوسط عدد هذه الحوادث ثلاثمائة, في العام, ويقع معظمها في فصلي الربيع والخريف.
بعض هذه الحيتان يقصد الشاطئ عن عمد, طلباً للراحة, واقتصاداً في الطاقة, والبعض يفقد اتزانه لعطل يصيب أنظمة التوجيه لديه, تتعدد الأسباب, والنتيجة واحدة.ويهرع إلى مواقع الانتحار فرق عدة, لأغراض مختلفة, أما الإعلاميون, فلتسجيل الحدث, وأما جماعات صون البيئة, فلمحاولة إنقاذ الحوت المقدم على الانتحار, وهؤلاء قد يفلحون في تعويم الحوت المسكين, ودفعه بعيداً عن الرمال, أملاً في أن يأخذ طريقه إلى المياه العميقة, ولكن معظم المحاولات تفشل, إذ يعود الحوت المنهك مع موجة المد التالية, ليلقى حتفه عند الرمال, هنا, يأتي دور رجال حرس السواحل, فعليهم التخلص من عدة أطنان من الدهن واللحم, قبل أن تفسد وتهدد صحة مرتادي الشاطئ والمقيمين بالقرب منه.
نيران البلهارسيا ورمضاء المبيدات!!
المصادفة وحدها جعلتني أهتم بقراءة إعلان في واحدة من كبريات صحفنا العربية, بعد ظهر يوم حضرت في صباحه مناقشة لرسالة علمية.
أما الإعلان, فهو عن مبيد يقاوم نوعين من القواقع, يعيشان في الأنهار والبحيرات والقنوات والترع والمصارف, ويستضيفان الطفيل المسبب لمرض البلهارسيا, قبل أن ينتقل للإنسان, أي أنهما يلعبان دور (العائل الوسيط), بين دودة البلهارسيا والإنسان, فإذا قضينا على هذين القوقعين, لم تكتمل دورة حياة الطفيل, فيهلك. وفي الإعلان الكثير من المعلومات المنقوصة, وغير الصحيحة, التي تحاول تجميل وجه المبيد, غير أننا سنتجاوزها, لنتوقف أمام نقطة واحدة, فقد جاء بالإعلان ما نصّه: (ومن مميزات هذا المبيد أنه ليس له آثار ضارة على (مَن يستعملونه), ولا على النباتات)! فأما بشأن (من) يستخدمونه, فهم العمال البسطاء الذين يظهرون في الصورة المرافقة لنص الإعلان, في ملابس فقيرة, ورءوسهم ووجوههم وأيديهم عارية, وهم يقفون بين وفوق خزانات المبيد, ويمسكون بأيديهم الخراطيم التي توصله إلى الترعة, فإذا علمنا أن هذا المبيد شديد السميّة, فإن ذلك يجعلنا نشك في نجاة هؤلاء العمال من التأثر, بشكل أو بآخر, بهذه المادة السامّة. وبصفة عامة, ومع السمعة السيئة للمبيدات, أليس من حقنا أن نتخوف من احتمال أن هذا المبيد, الذي يلقى في النظام الشبكي المتداخل للقنوات والترع والمصارف, قد تصل تركيزات منه إلى حيوانات المزرعة, ثم إلى الإنسان, عن طريق الألبان ومنتجاتها, بل وعن طريق مياه الشرب, بصورة مباشرة, لقد وصلت مادة الـ (د.د.ت) إلى ثلوج القطب الشمالي, فهل نستبعد تسرّب هذا المبيد, مع غيره من المبيدات, إلى مياه الصنبور في بيوتنا?!
فإذا أتينا إلى ما جاء بالإعلان من أن المبيد لا يؤذي النباتات, فإننا نترك مهمة الرد للرسالة الجامعية, التي نوقشت في نفس يوم ظهور الإعلان بالصحيفة, في كلية العلوم, جامعة الاسكندرية. ويمكنك أن تدرك افتراء الإعلان من مجرد مطالعة عنوان الرسالة, وهو: (التأثيرات السيتووراثية, والتغيرات السميّة الجينية للمبيد (ذاته) في نباتي الفول والأذرة).
وقد اختار القائمون على الدراسة هذين النباتين لأهميتهما الاقتصادية والغذائية. ولن نشغل القارئ بتفاصيل البحث, فنصل إلى بعض نتائجه, مباشرة, ومنها أن تعريض بادرات النباتين لتركيزات ضئيلة من المبيد أدى إلى تثبيط عملية تخليق الحمض النووي (دنا), وإلى تشويه كروموسومات الخلايا, لأن المبيد يتفاعل مع الحمض النووي. ويعرف المهتمون بعلوم الحياة أن حبوب اللقاح هي الناتج النهائي للانقسام (الميوزي), وأنها تحتوي على عدد أحادي من الكروموسومات, لذلك, فإن أي طفرة جينية تطرأ على النبات, تظهر في هذه الحبوب بوضوح. وقد أثبتت الدراسة أن حبوب اللقاح في النباتين قد تشوّه مظهرها, كما زادت نسبة العقم فيها, ولا تفسير لذلك إلا أن طفرة قد حدثت نتيجة تعرض النباتين للمبيد. وبالإضافة إلى ذلك, أثبتت الدراسة أن للمبيد تأثيرات على لون ونوعية الطبقات المختلفة لحبوب الفول والأذرة, وعلى الشكل الخارجي لهذه الحبوب, حيث تغير من المليء إلى المجعّد والمنقّر, وهذا يؤكد - مرة أخرى - حدوث طفرات جينية.
وهكذا, نرى أن المبيد غير آمن بالنسبة للنباتات, وأن الإعلان لم يكن يقول الحقيقة, من أجل الترويج لمادة كيميائية تشارك في علاج مشكلة صحية على حساب الاعتبارات البيئية, فهل كانت الشركة المنتجة لهذا المبيد - والمعلنة عنه - لا تعرف الحقيقة?, فتلك مصيبة, وإن كان يصعب تصديق ذلك, فنحن أمام شركة عملاقة, تنفق البلايين على مختبرات الأبحاث, فالأقرب للتصديق - إذن - أن الشركة تعرف كل شيء عن منتجاتها, وأنها اختارت أن تخفي الحقيقة, وهي متأكدة من أنها لن تجد أحداً يحاسبها!
