فرسان الأشياء المدسوسة
وصيفتي السمراء، كانت تمشط لي شعري كل صباح، تهمس في أذني كلما أزاحت الخصلات عنها، تقول: ستكبرين، ستصبحين أميرة كتلك الأميرات، وسيركع عند قدميك فرسان شجعان وسيمون. كنت ابتسم لكلامها وأصمت، وأفكر بالأميرات الجميلات في كتب الحكايات، وبالفرسان الشجعان الذين يجلسون في الأسفل.
ما أن تنتهي الوصيفة مني، وتتركني، حتى أرفع فستاني قليلاً، بأطراف أصابعي، خوف أن يتجعد، وأركض إلى كتب الحكايات، أعيد قراءتها، وانظر إلى أميراتها، وأتساءل كيف سأكون مثلهن، وشعري أسود، وهن ذهبيات الشعر. أبحث بين الصور عن أميرة بشعر أسمر، فأجد، ولكن بعيون زرقاء، وليست عيني كذلك.
حين المساء، كنت أتجول كيف أشاء، حتى ساعة معلومة. تتناهى إلى سمعي أصوات عالية، نقاشات حادة أحياناً، وضحكات قوية أحياناً أخرى، فأتسلل إلى تلك الغرفة لحظات، لأراقب الفرسان الذين تمنيني وصيفتي بمثلهم. التصق بالشباك الخشبية المنمنمة، حيث لم يكن بمقدورهم رؤيتي، وأطل بعيني من خلال أحد الثقوب.
كانوا يجلسون حول مائدة مستديرة، يتحدثون، يتجادلون، لم أكن أصغي إلى ما يقولون، حاولت مرة، ولم أفهم شيئاً، فاكتفيت برؤيتهم. بحثت عن سيوف، أو دروع، أو خوذات، لكنني لم أجد.
كانوا جميعاً ذوي أكتاف عريضة، وشوارب كثيفة، وملامح خشنة، وساخرة أيضاً. واحد فيهم كان وسيماً، لكن ملامحه مزمومة دوماً. رأيته مرة يضحك، ففرحت جداً، وصرت أرقبه وحده، وأرقب ابتسامته دوماً.
في الليل، كنت أستيقظ. أقرفص على سريري، وأزيح الستار عن النافذة، أحدق في السماء. لا أذكر أنني رأيت نجمة، أما القمر فكان بعيداً. أفكر في ذلك الفارس الوسيم، أتساءل عن اسمه، عن عمره، عما يحب. وأتخيل نفسي أقابله وأكلمه. وأشعر بالأسى حين أفكر في عمره، وعمري. وقبل أن يطل الفجر، ألملم كل أفكاري وأحلامي، واندس تحت لحافي.
* * *
ذات ليلة، أطل الفجر، وكانت القرفصة أمام النافذة دافئة أكثر من سريري. أغمضت عيني وتركتهما.
فتحتهما على أصوات من الأسفل، لم أتبين العبارات، فرّكت عيني وحدقت ما استطعت من النافذة، رأيت فارسين يحملان في أيديهما شيئاً ويذهبان به. بقيت أرقب. أخذوا الشيء إلى حفرة كانت هناك لم ألاحظها حتى وصلوها، دسوه في الحفرة. وغطوه بالتراب.
ماذا كان في تلك الحفرة؟ الحفرة كانت في حديقة صغيرة، معشبة مسورة بأشجار الورد. كيف يدخلون الحديقة فيما دخولها ممنوع علينا؟
بقيت أرقب كل ليلة، كل أول صباح، كان الحدث متكرراً في ساعة معينة، إذا لم يظهر الفرسان والشيء حتى انقضائها، أفهم أن لا شيء اليوم لديهم يدسونه. كان ذلك يحدث على فترات متفاوتة، تمر أيام أحياناً، بلا شيء يدس في حفرة، وأحياناً يخرجون لدس شيئين اثنين.
ذلك الصباح، رأيت فارسي الوسيم، رفقة فارس آخر، يحملان شيئاً. ابتهجت لمرأى فارسي، شعرت بصدري تقرع جدرانه، وبحرارة تغمر جسدي، فتحت النافذة كي تستطيع عيناي ملاحقته قدر الإمكان. سمعت صوته قوياً عميقاً، أرهفت أذني أكثر، كانا يتحدثان عن الشيء الملفوف، قالا: (خفيفة جداً)، وقال فارسي: (إنها جميلة جداً). وتحول بعدها صوتهما إلى تهويمات لم أتبينها.
ما هي؟
لم أنم يومها، ولم أنم بعدها.
شيء جميل يُدس في حفرة، ما هو؟ أو ما هي؟ لماذا يدسون الأشياء الجميلة في الحفر؟ بعدها انتظرت، ذاك الزمن حيث المكان ما زال ساكناً. أول الصباح، مرت ساعة الفرسان بلا فرسان. تسللت بخفية وبخوف إلى الخارج، إلى الحديقة ذات الحفر، وقفت حيث لم يكن مسموحاً لي بالوقوف، اتجهت صوب المكان الذي رأيت فارسي يدس فيه الشيء الجميل. كان أثر الردم ما زال واضحاً.
حفرت قليلاً بأصابعي، حتى اصطدمت بشيء صلب. أزحت المزيد من التراب، رأيت غطاءاً من قماش أبيض قد لوثه التراب. كان قلبي يدق بعنف. وكنت أتلفت، لكنني واصلت، دسست أصابعي بين ثنيات القماش، لم يستجب، أدخلت أصابعي وسطه بعنف شديد، شعرت بشيء بارد، تراجعت أصابعي خائفة، ونظرت إليه.
* * *
بكيت وبكيت وبكيت.
* * *
لم أنم يومها، ولم أنم بعدها. بابي يُفتح كل ليلة ولا يُفتح، يأخذونني من غرفتي ولا يأخذوني، مع كل حركة لمقبض الباب، يرتعش قلبي، ويهرع إلى نافذتي المطلة على حديقة الأشياء الجميلة المدسوسة في التراب، يلقي بنفسه. يحفر حفرة، ويدس نفسه.
