على أصحاب الديانات السماوية أن يبحثوا عن الحق المشترك بينهم، ولا يزعم كل فريق أن الآخرين لا يملكون من الحقيقة شيئاً على الإطلاق "ليسوا على شيء"، وإنما علينا جميعاً أن نبحث عن الجوهر المشترك، ونترك ما اختلفنا فيه لله تبارك وتعالى يحكم بيننا يوم القيامة. وبالطبع، ينطبق هذا القول على طوائف المسلمين وطوائف النصارى، وغيرهم من أهل الكتاب في علاقاتهم الداخلية. فنحن لا نطالب كل فريق أن ينخلع من عقائده، وإنما نحترم هذا الاختلاف، مع إيمان كل منا بما عنده. ففي تاريخ البشرية كان هذا الاختلاف هو الوقود الذي أضرمت به النيران؛ لتحرق المخالفين في العقيدة. وفي هذا الإطار علينا أن نتناول هيكل علاقات أصحاب الديانات السماوية بعضهم ببعض وفق المحاور التالية:
مقـدمات لا بد منها
منذ سنين وأنا أدعو الله أن يعطيني الوقت ويمنحني الفهم لهذه القضية المركزية في حياة المسلمين. ولقد تعلمت من التوجيه القرآني لنبيِّه: "ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يُقْضى إليك وَحْيُه وَقُل ربِّ زِدْنِي عِلْماً" (طه: 114)، تعلمت أن أصبر على تلاوة القرآن، والتلاوة لغة هي ترتيب الآيات المتعلقة بموضوع ما مع بعضها البعض في تسلسل ذكي. وآفة الكثيرين أنهم يعجلون بالقرآن من قبل أن يفعلوا هذا، فالقرآن وحدة كاملة يتسق أوله مع آخره، ولا يمكن أن تجد فيه اختلافًا، "وَلَوْ كان من عِنْدِ غيرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيه اخْتِلافًا كثيرًا" (النساء: 82).
وفي رمضان هذا العام (1421هـ) عكفت على كتاب الله، وحاولت أن أرتله ترتيلاً، ولخصت ما أفاض الله به عليّ في هذه العناصر التالية، وأدعو الله أن أكون قد هُديت إلى صراط مستقيم. وفي هذا المقام نعرض لمقدمات لا بد منها للتواصل مع هذه الورقة.
1 - ثوابت الدين واحدة في كل رسالات السماء:
من أولى الثوابت التي لا بد للمسلم، وغير المسلم أن يعرفها حين يعرض لوضع أهل الكتاب في الإسلام، أن ثوابت الدين واحدة في كل رسالات السماء. وثوابت الدين هي العقائد والقيم السلوكية. والله تبارك وتعالى يقول: "شَرَعَ لَكُمْ من الدين ما وصَّى به نوحًا والّذي أوحينا إليك وما وصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ ومُوسَى وعِيسَى أَنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفرَّقوا فيه كَبُرَ على المشركين ما تدعوهم إليه اللهُ يَجْتَبِي إليه من يشاء ويهدي إليه من يُنِيب" (الشورى: 13).
ومصطلح الدين يشمل العقائد والقيم السلوكية والقوانين، ولكننا نفهم من هذه الآية أن الله تبارك وتعالى شرع لنا من الدين ما أوحى به لجميع أنبيائه ورسله، وهو ما عبرنا عنه بالثابت من الدين: أي العقائد والقيم السلوكية. وهذه العقائد والقيم هي العامل المشترك بين كل الأنبياء، وهو ما سمي بالإسلام. فالإسلام - بالتعبير القرآني - هو هذا القدر المشترك من العقائد والقيم السلوكية الذي وصى به الله جميع الأنبياء. صحيح أن مصطلح الإسلام أطلق الأمر الآن على كل الدين: عقائد وقيم وقوانين، ولكن الاستخدام القرآني له يشتمل على القدر المشترك بين جميع الأنبياء من العقائد والقيم السلوكية؛ ولذلك فإن أي إنسان أو مجتمع يبني شرائعه وقوانينه في غيبة من الإيمان بهذا القدر المشترك من العقائد والقيم: أي في غيبة الإسلام كما عرفناه، فإن هذا البنيان إلى خسران لا محالة، ولن يقبل منه في الدنيا ولا الآخرة. يقول تعالى: "ومن يبتغِ غَيْرَ الإسلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْه وهُو فِي الآخِرةِ من الخاسرين" (آل عمران: 85).
والإسلام لغة: هو الخضوع الكامل لله، ومن ثم الخضوع العقائدي والقيمي، إضافة إلى الالتزام التشريعي الخاص بكل مجموعة ذات شريعة ومنهاج يرتبط بالدين.
2 - الشريعة متغيرة ولكن مقاصدها ثابتة عند كل الأنبياء:
وثاني الثوابت التي نود تقديمها قبيل الخوض في صلب موضوعنا أن مقاصد الدين هي الثابت في كل الرسالات السماوية، بينما الشريعة – لظرفيتها مثلت الجانب المتغير. يقول الله تعالى: "ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين * وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون * ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون" (الجاثية: 16 - 18).
ويعلق محمد أسد على هذه الآية فيقول: "إن كلمة الأمر تشمل أمراً بفعل شيء، أو قانوناً، أو وصية، أو شعيرة"، ثم يستطرد فيقول في معنى قوله تعالى: "وآتيناهم بينات من الأمر": أي جعلناهم يدركون مقاصد كل هذه الأشياء التي احتوتها كلمة الأمر". ويلخص في حاشيته على الآية هذه المقاصد في أمور ثلاثة:
أ- التيقن من وجود الخالق، وأن الخلق كلهم عيال الله.
ب- أن كرامة الإنسان وتحريره من كل ألوان الخوف والعقائد الفاسدة من المقاصد العظيمة.
ج-  أن عمل الإنسان من خير أو شر عائد عليه وحده.
هذه المقاصد كما رآها أسد مقاصد كلية، ولكني في دراسة سابقة حول فلسفة العبارة القرآنية "وعلى الله قصد السبيل" رأيت أن هناك مقاصد جزئية، وأن هذه المقاصد موجودة في كتاب الله؛ متدثرة في جوف آية أو مكنونة في قلب قصة، وأنه على الفكر الإسلامي أن يستحث خطاه بحثاً عن كل هذه المقاصد (انظر كتابنا: نظرات حضارية في القصص القرآني).
ويقول تعالى: "ثم جعلناك على شريعة من الأمر" أي جعلناك على الطريق الذي يمنحك الحياة الطيبة، وهذا معنى الشريعة، منطلقاً في ذلك من مقاصد الدين أو قصد السبيل.
والشريعة لغة: هي الطريق الموصل إلى مورد ماء، والماء هو سر الحياة المادية. فالشريعة إذاً هي الطريق إلى الحياة الطيبة.
3- الدفاع عن التدين عقيدة قرآنية:
والمبدأ الثالث الثابت بين أيدينا أن من حق أي مجموعة من المؤمنين بالله أن تدافع عن تدينها، وتحافظ عليه، وإلا فسدت الأرض. والله – تعالى - يقول: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين" (البقرة: 251).
والله جعل من سنن الوجود أن يمنح أهل التدين باسمه القدرة على الدفاع عن أنفسهم وعقائدهم "دفْعُ الله الناس بعضهم ببعض"، ومن هنا كان واجباً على دولة تسود فيها شرائع الإسلام أن تعمل على حماية التدين عقائد ومعاملات.
وفي زمن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أفزعه أن يعرف أن من بين رعيته أقواما يتزوجون أمهاتهم وأخواتهم: وهم المجوس، فأرسل إلى الحسن البصري فقيه عصره يسأله عن الأمر، فأبرق إليه الحسن البصري هذه البرقية التاريخية: "إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز: هذا مما جرت به عقائدهم، وإنما أنت متبع ولست مبتدعاً، فالـزم، والسلام". فلزم أمير المؤمنين شريعته، وانتهى إلى ما أمره به فقيه عصره، وتركهم على ما هم عليه.
4- الشرعة والمنهاج "جَعْلٌ رباني" و"عمل إنساني":
قلنا إن الشرعة والشريعة تعني في اللغة الطريق إلى مورد ماء، وتستخدم في القرآن؛ لتصف مجموعة القوانين التي طورتها الأمة منبثقة من عقائدها وقيمها، وشاملة كذلك النصوص القانونية التي جاءت وحياً.
أما المنهاج: فهو يعني في اللغة "الطريق المفتوح"، ويعني في الاصطلاح القرآني طريق حياة في الاجتماع والاقتصاد والعمران والتنمية والسياسة. والمفروض أن هذا الطريق وهذه الاختيارات الحياتية تتطور مع المجتمع، وتظل دائماً متناغمة مع العقائد والقيم الثابتة التي جاءت للمجتمع وحياً عن طريق الأنبياء والرسل.
والمجتمعات تخطئ وتصيب في محاولتها تنغيم حياتها وقوانينها مع المقاصد الكلية للدين، والتعبير القرآني معجز في قوله: "وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون" (المائدة: 48).
فالجعـل الرباني هنا هو أن الله قد جعـل حركة المجتمع تخضع لسنن لا تختلف ولا تتبدل، وأن المجتمعات في حركتها مع الزمن وفي تنميتها لمنهاجها وشرائعها قد تخطئ القصد الرباني الذي جاء به الدين من لدن آدم حتى المصطفى عليهم جميعًا الصلاة والسلام، ومن ثم تستحدث في شريعتها وفي منهج حياتها بدعًا تخالف القصد الرباني، وتظلم نفسها بما انحرفت عن القصد الرباني. ولعل هذا معنى قوله تعالى: "فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أُحِلَّت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرًا * وأخذهم الرِّبا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابًا أليمًا" (النساء: 160 - 161).
فمع ظلمهم لأنفسهم وعتوهم عن ما نهوا عنه يجدون أنفسهم في أغلال الحياة الدنيا، وينساقون مع مفسديهم وكبرائهم، ويجعلون ذلك جزءًا من شريعتهم ومنهجهم في الحياة. ثم يرث الأبناء الآباء ..يرثون الشريعة والمنهاج.. ويمضون به كجزء من الدين يقيمون حياتهم عليه. ويتراكم في المجتمع ألوان من الشرائع والمناهج، ولحكمة بالغة لم يجعل الله الناس أمة واحدة على شريعة واحدة ومنهاج واحد، وذلك ليبلوهم فيما آتاهم: يختبرهم فيما بين أيديهم من الشرائع والمناهج؛ ليعرضوها على مقاصد الدين، وينظروا: هل هي متناغمة معها أم متعارضة؟ وكل مجموعة تختبر ما عندها على المقاصد العليا للدين، وتنظر هل ما استقر في وعائها من شريعة ومنهاج أصلح للحياة من الشرائع الأخرى والمناهج الأخرى؟ إن تعدد الشرائع والمناهج يدعو الخاملين للتفكر والتدبر ورؤية النقص الذي لديهم والخير الذي عند الآخرين.. ذلك شريطة أن يسود بين الناس حب الخير والرغبة في المعرفة الحقة والتواضع والبحث عن الحقيقة في دياجير الظلام، أو بتعبير القرآن "استباق الخير". وفي هذا الاستباق للخيرات لا بد أن يستقر في الأفئدة: "إن إلى ربك الرجعى"، وأن الاختلاف أمر لا يدعو إلى الشقاق والتناحر، والله وحده يعلم المصيب من المخطئ، وسوف ينبئنا بهذا يوم الحساب.
5- التفرق في الدين ثمرة البغي بين ضعاف التقوى والعلم:
وأخيراً، لا بد أن نعلم أن الجنوح إلى التفرق ظاهرة إنسانية في أية جماعة بشرية. وقلنا إن الدين يشتمل على العقائد والقيم والشرائع والمناهج. وقد يصيب الجماعات تفرق في العقائد أو في القيم أو في الشرائع أو في المناهج. وأخطر أمراض التفرق تأتي في العقائد والقيم، وأقلها في الشرائع والمناهج. والتفرق غير الاختلاف؛ فقد نختلف في إطار الوحدة الجامعة، ولا يسعى أحدنا للتفرق والتشتيت. والاختلاف ظاهرة صحية تدعو إلى تقليب الرأي، والنظر من جهات متعددة إلى المسألة من أجل الوصول إلى حل في إطار وحدة الجماعة. أما التفرق؛ فينشأ من أمراض القلوب التي تؤدي إلى البغي، والتحاسد، والكبر، والاستعلاء، والضغينة، والأنا الطاغية المستبدة. والله تعالى يصف هذه الحالة بقوله: "وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغـيًا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب" (الشورى: 14).
أي أن هؤلاء الذين تفرقوا في الدين بغيًا بينهم، تركوا لأتباعهم ميراثًا دينيًّا يحيط به الشك المريب، وقد يدعوهم هذا إلى ترك الدين جملة. فالدين إذا شابه ما يعكر صفوه في العقيدة أو القيم أو الشرائع والمناهج يصبح مصدر قلق للإنسان، وربما أبعده جملة عن طريق السماء.
والتفرق الإجرامي هو التفرق الذي يحدث بعد وضوح الرؤية ومجيء العلم، يقول الله تعالى: "وما تفرَّق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة * وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة" (البينة: 4،5).
والقرآن في هذه الآية يصف لنا "الدواء الوقائي" من هذا التفرق في أربعة عناصر:
أ- إخلاص الدين لله في كل عباداته … ابتداءً من الاعتقاد والسلوك، وانتهاءً بالشرائع والمناهج… وذلك على مستوى الفرد والجماعة والأمة.
ب- انصراف الوجهة عن كل باطل: سواءً في عالم العقائد، أو في عالم الأفكار، أو في عالم الشهوات والشرائع والمناهج (هذا معنى الحنيفية).
ج- إقام الصلاة.. وعملية إقامتها عملية فردية اجتماعية.. وللصلاة علامة على إقامتها؛ فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. فإذا لم يتحقق ذلك، فما أقمنا صلاة.
د- إيتاء الزكاة… الإنفاق في سبيل الله من أموالنا، ومن قوتنا، ومن كل شيء رزقنا الله إياه.
فإن فعلنا ذلك؛ فإن هذا هو دين القيمة.. الدين الذي يقيمنا على الجادة، ويقيمنا على الطريق المستقيم الواضح..ويجمعنا في إطار وحدة تسمح بالتعدد وتنفي التفرق.
إن مصيبة هؤلاء الذين فرقوا دينهم شيعاً وأحزاباً .. كل حزب بما لديهم فرحون..إن مصيبتهم في أتباعهم والذين يأتون من بعدهم.. الذين سيعتبرون ما تركه لهم أجدادهم ديناً مقدساً.. وينقسمون إزاء هذا التراث إلى أنواع.. نوع خامل يعبد ما كان يعبد آباؤه، ونوع يفكر ويقدر ويرتاب فيما بين يديه ويبحث عن الحقيقة، وهؤلاء في العادة قلة ضئيلة… ومن هؤلاء قلة تظل تبحث عن دين القيمة بدأب وإخلاص، فيوفقها الله إليه، ومنهم أيضاً فرقة تحسد غيرها وتدمر ما حولها من تدين عند أقوام آخرين؛ لأنها لا تطيق الريب في عقائدها، ولا تحب أن يكون تدين غيرها أكثر صفاءً وأقرب إلى الحق.
علاقات أهل الكتب السماوية ببعضهم
1 - الناس أصناف ثلاثة:
من يتأمل الناس يجد أن القرآن قد صنفهم في ثلاث فئات:
1. مؤمنين بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم "الذين آمنوا".
2. أهل كتاب عندهم ناموس عقيدي وأخلاقي وتشريعي، من أتباع ديانات سابقة علي الإسلام "الذين هادوا والصابئون والنصارى والمجوس".
3. دنيويين مشركون "الذين أشركوا".
والله يقول في شأنهم جميعًا: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد" (الحج: 17).
2- علاقة الكتب المقدسة بعضها ببعض:
يقول الله تعالى: "وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقًا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقًا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين" (المائدة: 46).
ويقول تعالى: "وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون" (المائدة: 48).
فقد جاء الإنجيل مصدقًا لما بين يديه من التوراة.. أي مصدقاً لما بقي من حق في التوراة. فالتوراة ربما اعتراها تحريف أو أن تكون أحكامها أحكام تخص أوضاعاً خاصة، وليست أوضاعاً أبدية، فيأتي الإنجيل ليصدق الجزء الثابت من الدين: العقيدة والقيم، ويعفو عن الجزء المتغير أو الجزء الذي أصابه التحريف.
وكذلك القرآن بالنسبة للإنجيل، يأتي مصدقاً لما بقي متوافقاً مع الجزء الثابت من الدين، ومهيمناً عليه؛ بمعنى أنه إذا حدث اختلاف فالمرجع هو القرآن.. سواء كان هذا الاختلاف نتيجة تغير الظروف وخصوصية أحكام الإنجيل أو كانت نتيجة تحريف تَرَاكَمَ مع الزمن.
3 - التفرق في جماعة المسلمين:
من المهم- ونحن نعالج هذه القضية- أن نتناول قضية التفرق في جماعة المسلمين ذاتها، وهي قضية تسهم في توضيح هشاشة أسباب الفرقة بصفة عامة.
لقد عاشت الأمة الإسلامية غنية بالاختلاف البناء إلا قليلاً. هذا القليل تمثل في بعض الفرق التي بدأ خلافها خلافاً سياسياً ثم تحول إلى خلاف عقيدي. وفي العصر الحديث بدأت عمليات التقريب بين هذه الفرق تأخذ في النمو والازدهار. ولقد كان لي شرف المساهمة في هذا السبيل، عندما التقينا في الستينيات في الولايات المتحدة الأمريكية بآلاف من الطلبة المسلمين من كل أنحاء العالم، وينتمون إلى فرق ومذاهب متعددة؛ منهم الشيعة ومنهم السنة. وعندما التقينا على قلب رجل واحد بالنسبة لآفاق العمل الإسلامي في الولايات المتحدة سرعان ما نسينا خلافاتنا، وصلى بعضنا وراء الآخر، وساد بيننا الفكر الإسلامي الحديث، سواء أفرزته النخبة السنية أو أفرزته النخبة الشيعية. وفي سنوات قليلة نسينا كل خلافاتنا، وسمى الشيعي ابنه عمر، ورأس جمعية الطلبة المسلمين هناك ثلاثة من الشيعة العراقيين والإيرانيين والأفغان من عام 1963 وحتى عام 1971. ولكن للأسف الشديد عندما أزور أوروبا الآن أو الولايات المتحدة أجد تياراً جديداً من جماعات التفريق بين المسلمين باسم العقيدة، يكفرون الناس جميعاً. رأيت هناك من يتهم حسن البنا وسيد قطب في عقيدته، ومن يكفر محمد الغزالي ويوسف القرضاوي. إن من يفعل هذا يعبر عن تيار إجرامي، لا أدري من وراءه؟ ومن يدفع له ثمن الطائرات؟ ومن يضع بين يديه الأموال ليشتري بها أئمة المساجد في هذه البلاد؟ وفوجئت في مصر؛ في القاهرة والإسكندرية ببعض المكتبات التي تعرض في واجهاتها كتباً تسب الشيخ الغزالي والشيخ القرضاوي؛ هذين المجاهدين اللذين أبليا في سبيل الله بما يعرفه القاصي والداني.
هذا التيار التفريقي يتفنن في اختراع أساليب التفريق الشيطانية. أذكر أنني وجدت عند أولادي رسالة عنوانها "الرأي السديد في أن دخول المجلس منافٍ للتوحيد" … صعقت من العنوان. وبالرغم من أنني مختلف مع حرص بعض الحركات الإسلامية في مصر حول الدخول في البرلمان إلا أن ذلك يرجع لأسباب تتعلق بالمصالح والمضار، وليس لأسباب تتصل بالعقيدة. أذكر أني قرأت هذه الرسالة؛ لأبحث عن الأسباب التي حولوا بها قضية خلافية حول المصالح إلى قضية عقيدية يفترق حولها المسلمون، فلم أجد إلا عبثاً بآيات الله، وليًّا للعقول والألسنة بالقرآن.
4- قضية الحكم بما أنزل الله بين اليهود والنصارى والمسلمين:
يقول الله - تعالى -: "يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سمّاعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم * سمَّاعون للكذب أكَّالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا فإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين * وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين * إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونورٌ يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلاً ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون * وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون * وقفَّينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقًا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقًا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين * وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" (المائدة: 41 - 47).
أولاً - ما الحكم بما أنزل الله؟
قلنا من قبل إن الدين يشتمل على العقائد و القيم والشرائع والمناهج. وقلنا إن العقائد والقيم واحدة عند كل الرسل، أما الشرائع والمناهج؛ فأصولها ثابتة، وفروعها متغيرة مع الزمان والمكان.
وكلمة الحكم يمكن أن تكون حكمًا في اختلاف عقائدي أو قيمي أو شرائعي أو منهجي؛ ولذلك عندما يقول القرآن: "وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" (المائدة: 47) يكون الأمر هنا هو حثهم على الالتزام بالجزء الثابت من الدين (العقائد والقيم). هذا، وإلا فإن عدم الالتزام بهذه العقائد والقيم سوف يؤدي إلى شيوع الفسق في المجتمع. فأي نظام قيمي يحتاج لنظام عقائدي من ورائه، ورحم الله الرافعي الذي كان يقول: "لا ثقة لي في متخلق لا دين له"؛ لأن الأخلاق من غير نظام عقائدي سرعان ما تتحلل وتذوب. والدولة الإسلامية تحرص على التدين عند كل طوائفها، ومنهم المسيحيون الذين بقوا على مسيحيتهم. ولأن الإنجيل لا يحمل في طياته تشريعاً، ومن ثم لا يملك النصارى قوانين ذات أصل عقيدي؛ فإنهم محكومون بقوانين الدولة ذات الأغلبية المسلمة التي يعيشون فيها. وحتى القوانين الكنسية المتعلقة بالأسرة ونظام الزواج والطلاق وبالرغم من أنها ليست واحدة عند كل فرق النصارى؛ فإن الدولة الإسلامية تحترمها ما دام أهلها يربطونها بعقيدتهم وقيمهم. فتعظيم التدين عند كل الناس هو من الأهداف المستقرة في الدولة الإسلامية، وهو أمر القرآن للحاكم المسلم: "وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" (المائدة: 47). ولا يستطيع حاكم مسلم في دولة إسلامية أن يفرض على من لا يدينون بالإسلام عقائد وقيماً مخالفة لدينهم، ولا قوانين مدنية عندهم منها قوانين مخالفة.
وهذا الذي استنتجناه بشأن أهل الإنجيل طبقه المسلمون على كل أصحاب الديانات الأخرى: اليهود والمجوس والصابئة وديانات الشرق الأقصى. وقد مر بك في هذه الدراسة موقف عمر بن عبد العزيز من المجوس في قوانين زواجهم، وقول فقيه الأمة في عصره له: "هذا مما جرت به عقائدهم، وإنما أنت متبع ولست مبتدعًا، فالزم، والسلام".
والشرائع ينبغي أن يكون لها سلطان في القلوب قبل أن يكون لها سلطان في الدولة. ولو حدث انفصام بين سلطان القلوب وسلطان الدولة فستكون هذه الظاهرة هي الحالقة والحارقة للناس والدولة. ولعل هذا من بعض معاني قوله تعالى: "الأعراب أشدّ كفرًا ونفاقًا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله…" (التوبة: 97).
والآيات التي استعرضناها من سورة المائدة "يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ..." توضح لنا حالة من الاتحاد الإجرامي بين هؤلاء الأعراب وبين طائفة من أهل الكتاب من اليهود. هذه الطائفة اليهودية طائفة سماعة للكذب سماعة لهؤلاء المنافقين من الأعراب، وليس عندهم الأمانة أن يأتوا رسول الله ليفهموا ويتعلموا، ولكنهم يعلمون الأعراب ما يأخذونه وما يتركونه من كلام رسول الله. وأظن أن هذه الظاهرة موجودة بيننا الآن، عندما نجد تحالفاً بين بعض أهل الكتاب وبين مجموعات من المنافقين والملحدين الذين يقولون آمنا بأفواههم، والذين لم تؤمن قلوبهم.
والقرآن يعبر عنهم بأنهم "سمَّاعون للكذب أكَّالون للسحت": أي أن الكذب وأكل الحرام أصبح أمراً أصيلاً فيهم، وأن الداء قد استأصل في أعماقهم. هؤلاء المنافقون والكفرة يريدون أن يطبقوا فقط جزءاً من شريعتهم، ويهربوا منها إلى الشريعة الإسلامية في بعض الأمور، أي أنهم يتلاعبون بالشرائع، وفي الحقيقة هم قوم كافرون. ولذلك، فالأمر للرسول، ولكل حاكم مسلم من بعده، أن ينظر في الأمر نظرة فاحصة، فإن كان في شريعتهم حكم في نفس القضية طبقه عليهم، وإن لم يكن هناك حكم فعليه أن يطبق عليهم شريعة الإسلام، وليقسط ... "إن الله يحب المقسطين". ويبسط القرآن جزءاً من القانون الجنائي الذي كتبه الله عليهم، وينذرهم أن من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون.
ونستنتج من ذلك أن هناك أنواعاً من الخلق:
أ. نوع مؤمن برسالة سماوية في جزئيها العقيدي والقيمي، ولكنه لا يقيم حياته المدنية عليها ... فيهمل تطوير شريعته وعقائده وقيمه ... وهؤلاء هم الفاسقون.
ب. ونوع ينتقي من الشرائع ما يكرس حالته من الكذب وأكل السحت ... وهؤلاء هم الكافرون.
جـ. ونوع يؤمن بعقيدة وقيم وشريعة، ولكنه لا يطبقها … وأولئك هم الظالمون.
د. ونوع، ندعو الله أن نكون منه، يؤمنون بعقيدة الإسلام،وبقيم القرآن، وبقوانين القرآن ويقيمون حياتهم شريعة ومنهاجًا على الهدى والنور الذي يشع من كتاب ربهم ... وهؤلاء هم المؤمنون.
5- موقف أهل الكتاب من بعضهم البعض ومن المسلمين:
لقد استعرضنا في الصفحات السابقة موقف القرآن من أهل الكتاب، فماذا يقول القرآن عن موقفهم من بعضهم البعض وموقفهم منا؟ يقول تعالى: "وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون" (البقرة: 113). فنفي اليهود للنصارى ونفي النصارى لليهود وهم أصحاب كتاب أمر لا يليق بهم، وإنما يفعله الجهلة الذين لا يعلمون. وأصحاب الديانات السماوية ينبغي أن يبحثوا عن الحق المشترك بينهم، ولا يزعم كل فريق أن الآخرين لا يملكون من الحقيقة شيئًا على الإطلاق "ليسوا على شيء"، وإنما نبحث عن الجوهر المشترك، ونترك ما اختلفنا فيه لله تبارك وتعالى يحكم بيننا يوم القيامة. وبالطبع ينطبق هذا القول على طوائف المسلمين وطوائف النصارى وغيرهم من أهل الكتاب. لا نطالب كل فريق أن ينخلع من عقائده، وإنما نحترم هذا الاختلاف مع إيمان كل منا بما عنده. ففي تاريخ البشرية كان هذا الاختلاف هو الوقود الذي أضرمت به النيران لتحرق المخالفين في العقيدة؛ ولذلك يتحدث القرآن في الآية التالية لهذه الآية مباشرة فيقول: "ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم" (البقرة: 114).
ومساجد الله هي كل مكان يسجد فيه لله ويُذْكَر فيها اسمه. واحترام هذه المساجد والاقتراب منها بملء القلب خوف من الله هو الجدير بالمؤمنين بالله، بالرغم من اختلاف توجهاتهم. أما الذين يسعون في خراب بيوت العبادة فأولئك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم. إن القرآن يقرر هذه المبادئ العظيمة؛ لتستقر في عقول المؤمنين، يبتغون بها وجه الله وحده… ولا ينتظرون رضا أهل الكتاب عنهم، فيقول تعالى: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير" (البقرة: 120). وهو درس للمؤمنين في كل زمان ومكان أن يقفوا مع الحق مع كل الناس، رضي عنهم الناس أو سخطوا؛ أحبوهم أو كرهوهم، فإنه كما يقول تعالى: "ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى…" (المائدة: 8).
قضايا شائكة في العلاقة مع أهل الكتاب
1 – القتال المشروع في القرآن:
يقول تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين * واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين * فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم * وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين * الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين" (البقرة: 190 - 194).
ويقول تعالى: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرن الله من ينصره إن الله قوي عزيز" (الحج: 39 - 40).
ويقول تعالى: "وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليًّا واجعل لنا من لدنك نصيرًا * الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفًا" (النساء: 75،76). باختصار شديد، شُرع القتال في الإسلام لأمرين:
• التحرير.
• منع الفتنة.
وفي مجال التحرير يأتي الرد على الاعتداء على الأرض والنفس والمال، وتحرير الشعوب من الطواغيت، سواءً أكانوا من المحتلين أم من المستكبرين الذين يستذلون الشعوب ويقهرون الضعفاء من الرجال والنساء والولدان، ويسخرون الأمم لشهواتهم وحماقاتهم.
وفي مجال منع الفتنة يأتي منع إجبار الناس على اعتناق ما لا يريدون من الديانات والأفكار، ومنع إجبارهم على ترك ما يؤمنون به منها، ومنع دفعهم بالأذى والتعذيب والقتل ليفتنهم عن عقائدهم. ومن الأذى في هذا المجال أن يُمنع عباد الله من حرية ممارسة شعائرهم، والمسلمون مطالبون بأن يدافعوا عن حرية الآخرين في إقامة شعائرهم حتى من الديانات الأخرى، وجَعَلَ دفع الله للمسلمين بالطغاة هدفاً أساسياً من أهداف الاجتماع الإنساني؛ حتى تبقى دور العبادة عامرة بروادها، يقول الله تعالى: "… ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا" (الحج: 40).
وذلك كله من أجل "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله…" (البقرة: 193)، أي أن يتوجه كل مخلوق إلى ربه من غير شريك طاغوتي وبحرية تامة لا يشوبها أي إجبار، فلا إكراه في الدين.. ومن ناحية المصطلحات؛ فإن القتال جزء من الحرب، والحرب جزء من الجهاد . القتال هو الجزء الذي يتواجه فيه الخصمان من غير خفاء، أما الحرب؛ فهي أشمل من ذلك، ولها أساليبها الظاهرة والخفية، وقد لا يكون فيها قتال. أما الجهاد؛ فهو عملية استعداد دائم قبل الحرب وأثناء الحرب وبعد الحرب. وأهم ما في الجهاد أن النية الفردية فيه على مستوى الفرد، والنية الجماعية على مستوى الأمة، والنية الرسمية على مستوى الدولة كلها، في سبيل الله وابتغاء مرضاته، وليست للعلو والإفساد. فالله تعالى يقول: "تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين" (القصص: 83).
2 - الجــــــــزية
يقول تعالى: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" (التوبة: 29).
وقد نقل "محمد أسد" في ترجمته تفسير الأستاذ الإمام "محمد عبده" لهذه الآية ونلخصه فيما يلي: "هناك (من) الذين أوتوا الكتاب قوم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ومن ثم فانتسابهم لأهل الكتاب انتساب كاذب. ثم تمضي الآية فتقول "ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق"، فإذا كانوا لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، فما معنى لا يحرمون ما حرم الله ورسوله (الرسول الذي يتبعونه)؟ الشيء المؤكد الذي أوضحناه في هذا البحث أن القتال في الإسلام شرعه الله كما قلنا من أجل التحرير ومنع الفتنة، ومن التحرير مقاومة الاعتداء، ومن ثم فيكون الذي لم يحرمه هؤلاء المنافقين المنتسبين زورا لأهل الكتاب هو الاعتداء على المسلمين وعدم اتباعهم قواعد دينهم الذي يأمرهم بألا يعتدوا".
وتستطيع أن تدخل في هؤلاء الفرنجة الذين جاءونا زوراً باسم الصليب؛ فهؤلاء لا يتبعون تعاليم رسولهم المسيح عليه السلام، ولا يدينون بدينه الحق؛ ولأن الله أمرنا أن نقاوم كل من يعتدي على أرضنا وحرياتنا؛ فإن الله أمر المؤمنين أن يقاتلوا هؤلاء المنتسبين لأهل الكتاب زوراً وبهتاناً؛ حتى يخضعوا للدولة الإسلامية خضوعاً سياسياً (وليس عقيدياً) ويعطوا الجزية عن يد (أي عن سعة حسب مقدرتهم) بعد أن يخضعوا لسلطان الدولة الإسلامية.
والدولة الإسلامية - لأنها دولة عقيدية - قامت لتحقق مبادئ الإسلام في الحياة؛ تخير أفرادها القادرين على حمايتها من غير المسلمين بين الانضمام للجيش للدفاع عن الدولة أو بذل ضريبة دفاع تسمى الجزية والمأخوذة من فعل جزأ: أي دفع مقابلاً لعدم رغبته في المشاركة في الجيش. هذه الضريبة يعفى منها كل الذين لا يطلب منهم الانضمام للجيش، وهؤلاء هم النساء، والشباب الذين لم يبلغوا سن الانضمام للجيش، وكبار السن من الرجال، والمرضى، والمعوقون. وقدر هذه الجزية أقل بكثير من ضريبة الزكاة التي تفرضها الدولة الإسلامية على المسلمين. ويفسر الشيخ رشيد رضا كلمة "عن يد" بمعنى: حسب القدرة المالية للشخص.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية يستطيع أي مواطن يريد إعفاء نفسه من الخدمة العسكرية أن يرفع قضية ضد الدولة؛ يقول في حيثياتها أن لديه "حساسية دينية" ضد الاشتراك في حرب بعينها، والقضاء حر في تقدير الموقف والحكم بالإيجاب أو الرفض. ولكن الأمر مكفول في الإسلام لأهل الذمة؛ أي أهل الحماية الكاملة، بما فيها الحماية للعقائد والقيم والنسك الدينية.
3 – المــوالاة:
يقول تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين" (المائدة: 51).
ويقول تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين * وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً ذلك بأنهم قوم لا يعقلون * قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون * قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبةً عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعَبَدَ الطاغوت أولئك شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل * وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون * وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون * لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون" (المائدة: 57 - 63).
ويقول تعالى: "وجعل منهم القردة والخنازير" أي جعلهم مثل القردة نتوقع منهم أي شيء، ومثل الخنازير في حبهم للشهوات. ("محمد أسد": نقلاً عن المنار، وعن الطبري، وعن التابعي مجاهد).
أولاً: ما هي الموالاة ؟ الموالاة كلمة ذات إيحاءات متعددة، منها التحالف، ومنها القدوة، ومنها النصرة، ومنها الاطمئنان إلى الجانب. والآيات التي بين أيدينا تعدد أصنافاً من الجماعات ينبغي عدم موالاتهم وهم:
1- الذين يتخذون ديننا لهواً ولعباً.
2- الذين ينقمون منا أن آمنا بربنا وما أنزل إلينا وما أنزل من قبلنا.
3- الذين يتحالفون مع المحاربين لنا.
4- المنافقين الذين يظهرون الموالاة والإيمان بما نؤمن به، وهم قد خرجوا بالكفر، كما دخلوا به علينا، والذين يشجعون مرضى القلوب من بيننا على التخاذل.
5- الذين نتوقع منهم أي شيء مثل القردة أو الذين لا يعرفون إلا شهواتهم كالخنازير، وذلك أنهم عبدوا الطواغيت.
6- الذين يسارعون في الإثم والعدوان ويأكلون السحت.
7- الذين فقدوا القيادات الروحية أو الذين لم يعودوا يستمعون لهذه القيادات الروحية من بينهم، سواء كانوا رجالاً ربانيين أو علماء دين (الأحبار).
هذه الأصناف السبعة نهانا القرآن أن نتخذهم أولياء سواءً كانوا يهوداً أو نصارى أو منافقين مسلمين يحملون أسماءنا ويدعون أنهم على ملتنا.
وكيف أوالي من يستهزئ بعقائدي وقيمي وشريعتي ومنهاجي، أو من يوالي عدوي الذي قهرني في أرضي أو أخرجني منها، أو من انحطت أخلاقه وقيمه، وأصبح من عبدة الطواغيت، أو من يشجع الضعفاء والذين في قلوبهم مرض على الخيانة والانسلاخ من المجتمع المسلم، وبخاصة أثناء المواجهات الحربية؛ كما فعلت يهودٌ في المدينة في عهد الرسول الخاتم عليه أفضل الصلاة والسلام؟ وكيف أُوالي من يسارع في الإثم والعدوان، ومن يأكل السحت؟
ولكن الله تعالى يقول: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين" (الممتحنة: 8) . والبر والقسط هما جماع الخير كله، والموالاة جزء يسير منهما، والله أعلم.
4 - النجاة في الدنيا والآخرة لمن؟
يقول الله تعالى: "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون * وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون * فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون" (الأنبياء: 92 - 94). ويحدد معنى الإيمان في آية أخرى، حيث يقول: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (البقرة: 62).
قلنا إن الدين يشتمل على العقائد والقيم والشرائع والمناهج، وإن الجزء الثابت في كل رسالات الله هو العقائد والقيم، والجزء المتغير هو الشرائع والمناهج. وقلنا إن أي جماعة بشرية تجنح إلى التفرق والتقطع مع مرور الزمن إلا أن يعصمها من الله عاصم، ثم تصل هذه الرسالات للأتباع في الأجيال اللاحقة مقطعة ممزقة. "وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون * فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون * فذرهم في غمرتهم حتى حين" (المؤمنون: 52 - 54).
والمسلمون ليسوا بدعاً من الخلق، ورسول الله يقول ما معناه "تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستتفرق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة". والسبعة في الاستخدام العربي يراد بها أحياناً الكثرة. والحديث يقول إن هذه الكثرة درجات ... كثرة أولى لليهود، وكثرة ثانية للنصارى، وكثرة ثالثة للمسلمين. ونحن في هذا البحث لا نتعرض للطرائق التي يجب أن نتبعها في محاولة منع هذا التفرق ولا للطرائق التي تعيد هذا الشتات إلى حظيرة الوحدة، ولهذا حديث آخر بإذن الله.
والآن وبعد أن تقطعت الأمم إلى طوائف عدة، كل طائفة عاكفة على ما عندها، ورثته من الأجداد مقطعاً ممزقاً، وحسبته وتحسبه مقدساً... ولم تقم هي بالتقطيع والتمزيق ... تلك أمة سابقة فرحت بالتقطيع والتمزيق، فماذا يقول القرآن في نجاة هؤلاء الورثة؟
هؤلاء الورثة أنواع، وليسوا جميعاً سواءً. الأغلبية العظمى منهم تعيش حياتها في ظل طائفتها مؤمنة بالله الواحد وباليوم الآخر وتعمل الصالحات، ورثوا الدين عن آبائهم وقدسوه في قلوبهم وليسوا فلاسفة ولا علماء مقارنة بين الأديان … هؤلاء يحدثنا القرآن أن "لا خوف عليهم ولا هم يحزنون". وهناك طائفة قليلة من ذوي الطبائع الباحثة عن الحق في دياجير الظلام والتي يخفق قلبها مخافة الله، وأفرغت نفسها باحثة عنه وفي طبائعها تواضع جم. هذه الطائفة الباحثة عن الحق إذا اقتنعت عقولها واطمأنت قلوبها إلى رسالة الإسلام الخاتمة فإنهم يسلمون، وفي مثل هؤلاء يقول الله تعالى: "لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون * وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين * وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين * فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين" (المائدة: 82 - 85).
والقسيس لغة: هو الباحث عن الحق في دياجير الظلام، والرهبان أقوام أفرغوا عقولهم وقلوبهم من الدنيا، وسقوها بحب الله. والعقائد النصرانية التي بين أيدينا تحفز الناس على مكارم الأخلاق وعلى حب الخير، والقرآن يشهد بهذا لها، بينما يحذرنا مما بقي بين أيدينا من تعاليم اليهودية ... تلك التعاليم التي تدعوا إلى البغضاء بين الناس والعياذ بالله.
ويعلق "محمد أسد" في تفسيره الإنجليزي على جملة: "وإذا سمعوا" بقوله: "أي إذا أدركوا وفهموا". فماذا لو ارتابوا وشكوا، ولم تطمئن قلوبهم للإسلام، ولكنهم ظلوا على مودتهم، وعلى حفاظهم على تدينهم؟ هؤلاء أيضاً لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ويعلق الإمام "ابن تيمية" في كتابه "تفسير ست سور" على قوله تعالى (انظر محمد أسد أيضاً): "لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة، رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة، فيها كتب قيمة"، يعلق على كلمة "منفكين" بمعنى "مدانين"، فيكون المعنى أن الإنسان لن ُيدان إذا لم تصله رسالة الإسلام في صورة مطهرة محببة إلى القلب، وواضحة في عقائدها وقيمها وشريعتها ومنهجها وضوحاً يزيل الشك والريبة من قلبه ويقطع بأن هذا هو دين القيمة.
وهناك صنف ثالث من المرضى والمنافقين من أهل الكتاب هم الورثة الحقيقيون للذين قطعوا دينهم زبرًا، هؤلاء في قلوبهم غل وعصبية، يكرهون مخالفيهم في الطائفة وفي الدين عمومًا... هؤلاء يأمر الله نبيه، ويأمر كل مسلم من بعده أن يكون موقفنا معهم "فذرهم في غمرتهم حتى حين" (المؤمنون: 54).
وفي مجتمعنا رأينا كل هذه الأصناف. رأينا أم سمعان الجارة الطيبة والصديقة الصدوقة لأم حامد، وذلك عندما أحاط الموت بأم حامد فجاءتها أم سمعان تودعها، وجلست عند رأسها تقرِئها كيف تترك الحياة على دينها، قولي يا أم حامد: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله"، قولي يا أم حامد: "الموت حق والبعث حق والحساب حق والجنة والنار حق"، قولي يا أم حامد: "إنا لله وإنا إليه راجعون".
أم سمعان النصرانية تساعد أم حامد المسلمة لتدخل الجنة على عقيدة الإسلام. وكأني بهما يفهمان أن للجنة أبوابًا... باب يدخل منه المسلمون، وباب يدخل منه المسيحيون. أم حامد وأم سمعان ورثتا الدين عن آبائهن، وعشن مؤمنات بالله واليوم الآخر، ويعملن صالحًا كل حسب عقيدتها ... في أخوة سابغة وصدق صدوق.
ومن الأمثلة التي لم تقنع بما تسلمته من الأجداد مثالان: الأول: الدكتور "نظمي لوقا" الذي كتب في نهاية كتابه "محمد الرسالة والرسول": "لا خيرة في الأمر؛ ما نطق هذا الرسول عن الهوى، ولا خيرة في الأمر؛ ما ضل هذا الرسول وما غوى، ولا خيرة في الأمر؛ ما صدق بشر إن لم يكن هذا الرسول بالصادق الأمين. فسلام عليه بما هدى، وسلام عليه في الخالدين".
والمثال الثاني: هو الفيلسوف العظيم "ليوبولد فايس" النمساوي اليهودي الذي أسلمته حيرته إلى اعتناق الإسلام، وإثراء الحياة العلمية الإسلامية بما لم تثرها جامعات متخصصة كاملة. إنني بالرغم من اختلافي معه في بعض الأمور إلا إنني أعتبر ترجمته لمعاني القرآن الكريم أعظم عمل علمي في القرن العشرين في مجال الدراسات الإسلامية.
أما أمثلة المنافقين والمرضى فكثيرة، أعرف علمانياً عربياً خاف على أولاده من الإسلام، فجعلهم يعتنقون الشيوعية؛ فخسروا المسيحية والإسلام معاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
خاتمة
وبعد؛ فما قدمت من تأويل لآيات من الذكر الحكيم حول القضايا الأساسية التي يثور حولها جدل بالنسبة لأهل الكتاب؛ إنما هو محاولة فَهْم اعتمدت فيها على التفسير الإنجليزي لـ"محمد أسد" والذي اعتمد بدوره في كثير من الأفكار على تفسير المنار، وخاصة آراء الأستاذ "محمد عبده". لقد أعانتني هذه الترجمة، واختصرت لي الوقت بما قدمته من حواشٍ تلخص آراء كل المفسرين، مما بسط أمامي الأمر؛ فأعدت ترتيب الأمور وتقليبها حتى هداني ربي لما قدمت … أدعوه سبحانه وتعالى أن أكون قد استقمت على صراط مستقيم.
