مقدمة
التفجيرات الهائلة التي وقعت يوم 11/9/2001 في مركز التجارة العالمي في نيويورك، وفي مبنى وزارة الدفاع الأميركية بواشنطن، تؤسّس لمرحلة جديدة ستكون لها انعكاسات كبيرة على النظام العالمي الجديد، من حيث قدرة الولايات المتحدة الأميركية على الاستمرار في قيادة العالم، وفي ممارسة دور الوصيّ على الشعوب المستضعفة وإذلالها، ومصادرة خيراتها والتحكّم في سياساتها ومصيرها.
ذلك أنّ سياسة الإدارة الأمريكية، منذ نهاية الحرب الباردة، كانت تصرّ على تجاهل حقوق ومصالح شعوب العالم الثالث، وفرض هيمنتها الكاملة عليها، خاصّة بعد أن رضيت أوروبا واليابان بنصيبهما من العولمة، وسلّمت لأمريكا بقيادة النظام العالمي الجديد.
وكان موقف الإدارات الأمريكية المتتالية من إقامة دولة العدوّ الصهيوني على أرض فلسطين، وطرد نصف شعبها الأصلي إلى بلاد العالم، وإذلال النصف الآخر لحكم صهيوني مباشر في الأراضي المحتلّة منذ عام 1948، ثمّ لحكم ذاتي ممسوخ في الأراضي المحتلّة عام 1967، وما رافق ذلك من جرائم ارتكبها الصهاينة ولا يزالون يرتكبونها بحقّ المدنيين والأطفال والشيوخ، وحتّى الرجال المحرومين من أيّ سلاح للدفاع عن النفس. كان هذا الموقف الظالم المجافي لكلّ مبادئ العدالة ولمواثيق الأمم المتحدة وحقّ الشعوب في تقرير مصيرها على أرضها، والذي استمرّت الولايات المتحدة في تبنّيه في مؤتمر "دوربان"، حيث انسحبت مع إسرائيل احتجاجاً على اتهام منظّمات أهلية عالميّة لإسرائيل بالعنصرية في تعاملها مع الشعب الفلسطيني. كان هذا الموقف يمثّل الذروة في الاستهانة بالعالم كلّه، وفي الإصرار على سياسة التسلّط والهيمنة، وفي الظنّ أنّ القوّة العسكرية والاقتصادية التي تتمتّع بها تعطيها الحقّ في اعتبار الظلم عدالة، وفي اعتبار حقوق الشعوب وكرامتها سلعة معروضة للبيع، وفي فرض حضارتها على كلّ الشعوب.
وبعد أيّام وقعت هذه العمليّات الكبيرة، فضربت مدينتي نيويورك وواشنطن، وخلّفت آلاف القتلى أغلبهم من المدنيين، فضلاً عن أنّ الأمر الأهمّ والأكثر خطورة، هو انكشاف هشاشة التدابير الأمنية، وضعف الأجهزة العسكرية الضخمة، وفشل المنظومة الأمنية في استباق أو ردع أو إيقاف تلك الهجمات الموجّهة إلى مؤسّسات الدولة العسكرية والاقتصادية والسياسية.
وظهرت الولايات المتحدة الأمريكية كالأسد الجريح، وارتفعت الأصوات بطلب الانتقام، حتّى ذكرت بعض المصادر أنّ 90 % من الشعب الأمريكي يطالب قيادته بالثأر من الفاعلين ومَن وراءهم ومن يؤويهم. وبدأت المعلومات تشير بإصبع الاتهام إلى العرب والمسلمين، ثمّ إلى أسامة بن لادن على وجه التحديد وإلى أفغانستان التي يعيش فيها. رغم أنّ جميع القوى الشعبية الإسلامية، والدول العربية والإسلامية استنكرت هذه التفجيرات وأدانتها. ورغم صدور عدد كبير من الفتاوى الشرعية من شيخ الأزهر ومن الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي ومن المرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله وغيرهم، إلاّ أنّ موجة العداء للعرب والإسلام تزداد في أكثر بلاد العالم، وحتّى داخل الولايات المتحدة الأمريكية، ولم يخفّف منها تحذير الرئيس بوش لمواطنيه من الخلط بين الإسلام والإرهاب..
الرأي الشرعي في هذه العمليات
وقبل الدخول في استكشاف آفاق ما بعد 11 أيلول 2001، أجد من المفيد بيان الرأي الشرعي في هذه العمليات، وألخّص فيما يلي أهمّ المسائل المتعلّقة بهذا الموضوع:
1 - الدعوة إلى الله تعالى هي مهمّة جميع الرسل. ولمّا كان محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو آخر الرسل، كانت رسالته موجّهة إلى جميع بني البشر منذ بُعث إلى أن تقوم الساعة. وبعد وفاته انتقلت هذه المهمّة إلى جميع المسلمين. قال تعالى: "وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ" (سورة آل عمران، الآية 104)، "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ" (سورة فصّلت: الآية 33).
إنّ من أهمّ أخلاق الدعاة الرفق بالناس، ومجادلتهم بالتي هي أحسن، ومقابلة السيّئة بالحسنة، وبذل الجهد في المساعدة فيما يحتاجونه من أمور الدنيا، والتواصل معهم في كلّ معروف، وغير ذلك ممّا كثر فيه التوجيه القرآني والحديث النبوي، وظهرت فيه نماذج رائعة على يد الدعاة إلى الله في جميع العصور.
2 - الجهاد في سبيل الله فريضة ماضية إلى يوم القيامة، والقتال أعلى صور الجهاد، وهو ذروة سنام الإسلام كما قال عليه الصلاة والسلام. لكنّ القتال كان ممنوعًا على المسلمين في مكّة، ثمّ أصبح جائزًا للدفاع عن النفس في المدينة، ثمّ أصبح واجبًا للدفاع عن النفس وعن الدين. وبعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) استقرّ تشريع القتال على المنع أو الإباحة أو الوجوب بحسب الظروف التي تمرّ بالمسلمين. وتبقى الدعوة إلى الله هي المهمّة الأولى في جميع الظروف، ويكون القتال في سبيل الله مطلوبًا إذا وُجدت أسبابه الشرعية وهي ردّ الاعتداء، ومنع الفتنة، وهي إكراه الناس على دين لا يريدونه. فالدعوة هي الهدف، والقتال لم يُشرع إلاّ كوسيلة مساعدة للدعوة تضمن الاستماع إليها، وقبولها أو رفضها بكلّ حرّية.
وإذا كان القتال يستلزم أخلاقًا خاصّة في التعامل مع الأعداء، كالغلظة بدل الرفق، واستباحة الدماء والأموال بدل المحافظة عليها، وجواز الخداع وغير ذلك، فإنّ هذه الأحكام تبقى محصورة في زمن قيام الحرب فعلاً وبين المتقاتلين فقط. يقول الله تعالى: "وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ" (سورة الأنفال، الآية 72). فأباح للمسلمين عدم نصرة إخوانهم إذا كانوا مرتبطين بميثاق مع أعدائهم الكافرين. ولذلك قال الإمام النووي في الجزء السابع من شرحه لصحيح مسلم: اتفق العلماء على جواز خداع الكفّار في الحرب كيف أمكن الخداع إلاّ أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحلّ" (ج: 7،230).
3 - إنّ من أهمّ أسباب الاختلاف بين المسلمين اليوم في كيفية التعامل مع غير المسلمين، هو معرفة القاعدة التي يقوم عليها هذا التعامل: هل هي قاعدة الدعوة بما تقتضيه من أخلاق؟ أو قاعدة القتال بما يقتضيه من أحكام؟
ويجد كلّ فريق دليله في كتاب الله، أو في سنّة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، ولذلك كان لا بدّ من تحديد هذه القاعدة أولاً، حتّى يمكن أن يقوم عليها ما تقتضيه من أحكام.
إنّ العالم اليوم أصبح منفتحًا على بعضه في كلّ بقاع الأرض. والمسلمون موجودون في أوروبا وأمريكا وأستراليا فضلاً عن آسيا وأفريقيا، وهم يشكّلون أقلّيات كبيرة في أكثر البلاد غير الإسلامية، وعدد كبير منهم من أهل البلاد الأصليين. وإنّ المحافظة على حقوق الإنسان ومنها حرّية الاعتقاد أصبحت سائدة في أكثر دول العالم – إن لم نقل فيها جميعًا – بحيث لم يعد القتال لمنع الفتنة حسب التعبير القرآني واردًا. لكن القتال دفاعًا عن النفس وردًا للاعتداء لا يزال قائمًا بين حين وآخر، ومنه القتال الذي وقع في البوسنة وكوسوفا والشيشان وأفغانستان وفلسطين.
إنّنا نعتقد أنّ الدعوة هي قاعدة التعامل مع غير المسلمين من حيث المبدأ. ويجب الالتزام بأخلاقها وأحكامها. ولا يصحّ استعمال أحكام القتال في الظروف الحاضرة. بل حتّى حين يقع مثل هذا القتال دفاعًا عن النفس في أيّ بلد من بلاد العالم، فإنّه يبقى محصورًا في ذلك البلد، وبإمكان المسلمين ومن واجبهم أن يساعدوا إخوانهم بما يستطيعون ضمن ظروفهم ومواثيقهم.
4 - إنّ من أهمّ ساحات القتال المعاصر ما يجري في أرض فلسطين المحتلّة بين شعبها المظلوم المجاهد، وبين الاحتلال الصهيوني الاستيطاني الغادر. ورغم أنّ قضية فلسطين لها مقام خاصّ في قلب كلّ مسلم، لوجود المسجد الأقصى فيها، ولتعرّضه لمؤامرات الهدم، فإنّ جميع القوى والتنظيمات الفلسطينية تعتقد بضرورة حصر المعركة داخل الأرض الفلسطينية ومع العدوّ الصهيوني فقط. هذه مسألة مهمّة يجدر الانتباه إليها.
5 - إنّ الولايات المتحدة الأمريكية بموقفها المنحاز بشكل كامل مع العدوّ الصهيوني، وبتبنّيها الكامل لجميع أعماله الإجرامية، وبالدعم غير المحدود ماليًا وعسكريًا وسياسيًا، جعلت نفسها في موقع العداء للشعوب العربية والإسلامية. هذا الموقف تجب مواجهته بالمستطاع. ولقد طرح علماء وقادة الحركات الإسلامية فكرة مقاطعة المنتجات الأمريكية، وهي مواجهة مؤثّرة لو عمّت جميع البلاد العربية والإسلامية. ويطرح الكثيرون على الدول الإسلامية ضرورة اتخاذ مواقف أشدّ تجاه الولايات المتحدة. ولكن لم يطرح أحد فكرة نقل المعركة إلى الأرض الأمريكية، فإنّ ذلك غير مفيد في الصراعات المحلّية، ومضرّ ضررًا بليغًا بالوجود الإسلامي في جميع دول الغرب.
6 - إنّ الإسلام من حيث المبدأ ينهى عن قتل النفس، قال تعالى: "مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا" (سورة المائدة، الآية 32). وقال: "وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ" (سورة الإسراء، الآية 33). والنفس هنا تشمل المسلم وغير المسلم. وقد أذن الله تعالى بقتل النفس المسلمة حَدًّا أو قصاصًا لأسباب محدّدة. كما أذن بقتل النفس غير المسلمة لظروف محدّدة أيضًا. ولكن لم يرد الإذن الشرعي بقتل أيّ إنسان بسبب عمل أو جريمة قام بها غيره، لأنّ القاعدة الشرعية المتفق عليها والتي نصّ عليها القرآن أنّه "ألا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" (سورة النجم: الآية 38) أي لا يتحمّل أيّ إنسان مسؤولية عمل غيره.
7 - يظنّ بعض المسلمين أنهّ يجوز قتل غير المسلم ولو بدون سبب. ويبنون ذلك على أنّ الكافر حربيّ في رأي أكثر الفقهاء، وأنّ الحربي غير معصوم الدمّ، فيجوز بالتالي قتله كيفما كان. هذه مسألة مهمّة للغاية، وأحبّ توضيحها بما يلي:
• ليس كلّ كافر حربيًا. بل هو يصير كذلك إذا أعلن هو أو دولته الحرب على المسلمين، أو إذا أعلن المسلمون الحرب عليهم. وإذا لم يقع ذلك فكلّ كافر يمكن أن يكون حربيًا. وهذا ما يعنيه الفقهاء عن الكافر بأنّه حربي. وبالتالي فيجب على المسلمين أن يكونوا حذرين منه حتّى تنقطع حربيّته بعهد، فيلتزم المسلمون معه بأحكام العهد. قال تعالى: "وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً" (سورة الإسراء: الآية 33).
• وحتّى الكافر الحربيّ، لا يُقتل لمجرّد كفره، بل يُقتل حين يحارب المسلمين وبسبب محاربته الفعلية، ولذلك يقول جمهور الفقهاء من المالكية والحنفية والحنابلة: إنّ (علّة القتال هي الحرابة – أي المحاربة – وليس مجرّد الكفر). هذا القول هو الصحيح، يؤيّده:
- قوله تعالى: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (سورة البقرة: الآية 190). وهو هنا ينهى عن مقاتلة غير المقاتلين، بل يعتبر مقاتلتهم اعتداء.. وهذا ممّا لا يقبل النسخ.
- منع الرسول (صلى الله عليه وسلم) - في كثير من الأحاديث الصحيحة – مِن قتل مَن لا يقاتل من الكفّار: كالمرأة والصبيّ غير المقاتل والعسيف - وهو الأجير المستخدَم في أمور لا تتصل بالقتال - والشيخ الفاني. وقد قاس الفقهاء على هذه النصوص منع قتل (الرهبان في الصوامع، والتجّار، والمقعد والأعمى والمشلول والمعتوه والسائح ومقطوع اليد والرجل، والمريض مرضًا مزمنًا).
- لو كان القتل جائزًا لمجرّد الكفر، لكان هذا مناقضًا لعدم الإكراه في الدين. وهذه مسألة لا نعلم خلافًا حولها لورود النصوص القاطعة فيها كقوله تعالى: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ .." (سورة البقرة: الآية 256).
- أنّ الرسول (صلى الله عليه وسلم) أسر الكثير من المشركين وأطلق سراحهم بفدية أو بدونها، وقتل بعضهم لأسباب أخرى غير الكفر. ولو كان القتل واجباً لمجرّد الكفر، لم يكن يجوز تركهم.
8 - والكافر يمكن أن يدخل في عهد مع المسلمين، فيعصم دمه وماله. والعهد يمكن أن يكون من الأفراد ومن الدول.
• فعلى نطاق الأفراد، الحربيّ يحصل على الأمان من أيّ مسلم بالغ عاقل، وليس شرطاً أن تعطي الأمان الدولة. بل بالغ المالكية والحنابلة فأجازوا إعطاء الأمان حتّى من الصبيّ المميّز وهو الذي بلغ سبع سنوات. وأيّدهم في ذلك محمد بن الحسن من الحنفية. ولو دخل الحربيّ دار الإسلام بغير أمان وقال: دخلت لسماع كلام الله تعالى، أو دخلت رسولاً – سواء معه كتاب أو لم يكن – أو قال: دخلت بأمان مسلم دون أن يأتي ببيّنة على ذلك، صُدِّق ولم يُتعرّض له لاحتمال ما يدّعيه، ولأنّ قصده ذلك يؤمّنه من غير احتياج إلى تأمين. هذا قول الشافعية والحنابلة. وعند المالكية: يُردّ إلى مأمنه إلاّ أن توجد قرينة كذب (انظر إلى عظمة هذا الموقف، فقد دخل الحربي دار الإسلام بغير أمان، ومع ذلك لا يُقتل بحجّة أنّه غير معصوم الدمّ بل يُردّ إلى مكانه الذي يأمن فيه). وعند الأحناف: يُطالَب بالبيّنة لإمكانها غالبًا.
كما أنّ الحربي يمكن أن يصير ذمّياً بالتراضي، أو بالإقامة مدّة سنة في دار الإسلام. وهذا معناه في الأعراف المعاصرة أنّ أيّ أجنبي حربيّ يمكن أن يصبح مواطنًا في دار الإسلام بمجرّد الإقامة النظامية فيها مدّة سنة واحدة إذا رضي بالخضوع لقوانينها.
• وعلى نطاق الدول، يقع العهد بين المسلمين وغيرهم، فتصبح دارهم دار عهد. وعند ذلك (يمنع الإمام المسلمين والذمّيين من إيذائهم والتعرّض لهم، لأنّهم استفادوا الأمان في أنفسهم وأموالهم بالموادعة). ويُعتبَر اليوم ميثاق الأمم المتحدة عهدًا بين جميع الدول الموقّعة عليه.
9 - حين تقع الحرب الفعلية بين المسلمين وأعدائهم، يجب أن يلتزم المسلمون بأحكام الإسلام في الحرب. ومنها:
• عدم جواز قتل غير المقاتلين، وقد تضافرت على ذلك النصوص القاطعة، وروايات البخاري ومسلم تذكر نهي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن قتل النساء والصبيان بالتحديد. وفي رواية أبي داود وهي صحيحة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أرسل لخالد (لا يقتلنّ امرأة ولا عسيفًا) والعسيف هو الأجير الذي يعمل في غير أمور القتال كالفلاّحين والعمّـال في المصانع وعمّال النظافة في الطرقات والأطبّاء والممرّضين وغيرهم.. وفي رواية ثانية لأبي داود (.. لا تقتلوا شيخًا فانيًا)، أي لم يبق فيه نفع للكفّار ولا مضرّة على المسلمين.
• وقد أباح الإسلام – استثناءً من هذا الأصل – قتل غير المقاتلين حين شنّ الغارات على العدوّ، أو حين رميه من بعيد؛ لأنّه لا يمكن هنا التفريق بين المقاتل وغير المقاتل، وطبيعة الحرب قد تقتضي شنّ مثل هذه الغارات. وقد أباح النبيّ (صلى الله عليه وسلم) - كما ورد في الصحيحين – (تبييت المشركين) أي مهاجمتهم ليلاً على حين غفلة، ولو أدّى ذلك إلى إصابة الذراري من النساء والأطفال. لكن من الواضح أنّ جميع هذه النصوص وردت عند قيام حرب فعلية معلنة، بحيث لا يقع بها غدر.
• أمّا التخريب في بلاد الأعداء وإشعال الحرائق، فقد اختلف فيه العلماء بين مجيز ومانع، وقد جمع شيخ المفسّرين الطبري بين القولين، بأنّ النهي محمول على القصد إلى ذلك، بخلاف وقوع ذلك أثناء القتال من غير قصد إليه. وذكر الدكتور محمد خير هيكل في كتابه: "الجهاد والقتال في السياسة الشرعية" أنّ هذا هو قول أكثر أهل العلم.
• وقد لخّص هذه الأحكام الخليفة الأول أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه في وصيّته لأول جيش إسلامي خرج من الجزيرة العربية لقتال الروم، وفيها: "لا تمثّلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلاّ لمأكله، وسوف تمرّون بأقوام قد فرّغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرّغوا أنفسهم له" (المدوّنة 2/7 – وتاريخ الطبري).
10 - في ضوء ما تقدّم نقول بوضوح: إنّ التفجيرات التي وقعت في نيويورك وواشنطن لا يمكن أن تكون مقبولة من وجهة النظر الشرعية، وبالتالي لا يمكن تسميتها عمليّات استشهادية - إذا صحّ أنّ الذين قاموا بها مسلمون – للأسباب التالية:
• إنّ الظروف التي يعيشها المسلمون اليوم في أكثر بقاع الأرض هي ظروف الدعوة وليس القتال. وإنّ اللجوء إلى القتال في مثل هذه الظروف يضرّ ضررًا بليغًا بالدعوة. لقد بذل المسلمون في أوروبا وأمريكا جهودًا كبيرة من أجل عرض الإسلام على الشعوب الغربية بصورته الحقيقية الجذّابة، فجاءت هذه التفجيرات لتعلن الحرب على الشعوب وليس على الحكومات، وتحقّق ما يريده أعداء الإسلام في إيقاف مسار الدعوة، وهو أثقل في الميزان الشرعي من شهوة الانتقام ضدّ الإدارة الأمريكية الظالمة.
• جميع المتهمين دخلوا الولايات المتحدة بتأشيرة رسمية، وهي تعتبر من وجهة النظر الفقهية عقد استئمان، "ولا يحلّ للمسلم خيانتهم في شيء؛ لأنّهم أعطوه الأمان مشروطًا بتركه خيانتهم، وإن لم يكن ذلك باللفظ، فهو معلوم في المعنى، فلا يحلّ له خيانتهم؛ لأنّه غدر، ولا يصلح الغدر في الإسلام" (الموسوعة الفقهية الكويتية، ج:7).
• الإقدام على خطف طائرات مدنية، يوجد عليها نساء وشيوخ وأطفال، ومسلمون وغير مسلمين، هو في الأصل حرام؛ لأنّه ترويع للناس، وهو لا يجوز كما هو معروف إلاّ أثناء القتال وضدّ المقاتلين فقط. والله تعالى يقول: "وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ" (سورة التوبة: الآية 6). هذا في المشرك المقاتل، فكيف بغير المقاتلين؟.
فإذا أضفنا إلى ذلك أنّ الخاطفين ضربوا بهذه الطائرات المخطوفة وركّابها المدنيين برج التجارة العالمي في نيويورك، حيث يوجد آلاف من الموظّفين وآلاف من المراجعين كلّهم في الأصل غير مقاتلين، وفيهم نساء وشيوخ، وفيهم مسلمون وغير مسلمين، وقد ورد في مصنّف ابن أبي شيبة عن جابر بن عبد الله قال: "كانوا لا يقتلون تجّار المشركين" (رقم 14076 – جـ 12/386)، فضلاً عن النصوص القاطعة التي تمنع قتل من لم يقاتل، أدركنا حجم المخالفة الشرعية التي وقع فيها هؤلاء، خاصّة وأنّهم كانوا قاصدين لقتل المدنيين، ولم يكن قتلهم عرضًا أثناء مقاتلة العسكريين.
ضبط مشاعر المسلم حيال التفجيرات
1 - إنّنا نؤكّد أولاً أنّ كلّ عمل عنفي يستهدف المدنيين عن سابق تصوّر وتصميم هو عمل مُدان وغير شرعي، مهما تكن القضية التي يُدافع عنها الفاعلون عادلة أو شريفة.
لكنّنا نقول أيضًا: إنّ قتل المدنيين الأبرياء كان دائمًا بضاعة أمريكية صهيونية، ويكفي أن نتذكّر قصف مدينتي هيروشيما وناكازاكي التي ذهب ضحيّتها ربع مليون قتيل، ثمّ قصف الطائرات الأمريكية لجميع مدن اليابان بعد خمسة أيّام بهدف إنهاء الحرب العالمية. وكذلك قصف مدينة (فينية) الفيتنامية بطائرات (ب 52) الأمريكية وتسويتها بالأرض وعدد سكّانها (600 ألف نسمة)، وغير ذلك كثير.
ويُضاف إليه ما فعله العدوّ الصهيوني من مجازر قُصد بها المدنيون الفلسطينيون، فضلاً عن المصريين والسوريين والأردنيين واللبنانيين، وكلّ ذلك يتمّ بأسلحة أمريكية وبدعم أمريكي وبتغطية كاملة من الإدارة الأمريكية. إنّ هذه الوقائع تستثير الناس للردّ والانتقام.
ومع أنّ المعاملة بالمثل مبدأ إنساني مشروع ومقبول خاصّة في الحروب، إلاّ أنّ طبيعة الحرب الإسلامية أنّها لا تهدف للانتقام والتشفّي، ولا لفرض الهيمنة والتسلّط، إنّما تهدف لمنع الاعتداء على العقيدة، ولإتاحة المجال أمام الناس جميعًا لقبول الإسلام أو رفضه بكلّ حرّية. هذا الهدف لا يسمح بالانتقام الذي يزيد مشاعر العداء. والمسلم عندما يقاتل يريد أن يبلّغ دعوة الإسلام لمن يقاتله، ويحرص على انتزاع مشاعر البغضاء من صدره؛ لأنّه في الأساس يهدف إلى هدايته لا إلى قتله أو إيذائه.
لذلك عندما انتهت غزوة أُحُد، ووجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حمزة بين الشهداء، وقد مُثِّل بجسده تألّم كثيرًا وغضب وأقسم أن يمثّل بسبعين من المشركين؛ انتقامًا لحمزة. ولكنّ الله تعالى ذكّره فقال: "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ" (سورة النحل: الآية 126)؛ فصبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولم يُمثّل بأحد من المشركين.
2 - وإذا كانت هذه التفجيرات، تُعتبر جرائم لحقت بمدنيين أبرياء، فهل كان من المعقول أن يطرب لها بعض المسلمين هنا وهناك، ويعلنون فرحهم أو شماتتهم؟
نبادر إلى القول: إنّه لا يمكن لإنسان مسلم أن يشمت أو أن يفرح لقتل بريء، وهو الحريص على رفع الأذى عن جميع الناس، بل حتّى عن الحيوان، والأحاديث الصحيحة حول الكلب العطشان ومن سقاه الماء، وحول الهرّة المحبوسة الممنوعة عن الطعام معروفة من الجميع.
لكن التفجيرات في نيويورك وواشنطن لها وجه آخر، إلى جانب هذا الوجه المُدان. فهي ضربة للعنجهية الأمريكية التي بلغت حدّها، وللغرور الأمريكي الذي يحتقر العالم كلّه، وهو الذي أتاح لأمريكا الانسحاب من مؤتمر "دوربان" ومخالفة العالم كلّه دون أيّ اهتمام. وهي ضربة في العمق تناولت الرموز السياسية والعسكرية والاقتصادية.
فالفرح الذي يظهر هنا وهناك هو نتيجة للرغبة بالانتقام ولمشاعر الحقد ضدّ الطغيان الأمريكي، ولكن أصحابه غفلوا عن أنّ هذا الإذلال قد تمّ بوسائل غير مشروعة، وبالاعتداء على المدنيين. وهو أمر يجب استنكاره وإدانته في جميع الظروف. ولذلك نرى أنّ مظاهر الفرح والابتهاج كانت قليلة إجمالاً بين المسلمين، وقد صدرت عن بعض الأطفال والأغرار في الشوارع والحارات.
حول الضربة العسكرية المحتملة ضد أفغانستان
تتوارد الأخبار عن استعدادات عسكرية تجري لضرب أسامة بن لادن باعتباره المشتبه به الرئيسي، وضرب أفغانستان باعتبارها البلد الذي يستقبله ويؤويه.
• لا نريد أن نكرّر ما قاله الكثيرون من الخبراء والمحلّلين عن استبعاد وجود أيّة إمكانية لدى أسامة بن لادن للقيام بمثل هذه الأعمال، وعن حتميّة مشاركة كثيرين من الأمريكان أنفسهم في هذه الأعمال، كما حصل في انفجار أوكلاهوما الشهير.
• إنّما نقول: إنّ المبدأ القانوني السائد في كلّ البلاد وفي جميع الشرائع (أنّ المتهم بريء حتّى تثبُت إدانته). فهل يجوز معاقبة إنسان بمجرّد اتهام وقبل أيّ إثبات؟
• ولو افترضنا أنه ثبت على أسامة بن لادن قيامه أو مشاركته بهذه الأعمال، فهل يجوز معاقبة شعب بأكمله كشعب أفغانستان، وضرب المدنيين والبِنى التحتية الباقية بعد كلّ ما جرى هناك؟.
• ألا تكون الولايات المتحدة قد وقعت في العمل نفسه الذي تعترض عليه؟
• وكما أنّ العالم كلّه شاركها في استنكار وإدانة التفجيرات التي استهدفت مدنيين، فإنّه سيجتمع على إدانتها حين تستهدف هي المدنيين في أفغانستان أو غيرها. هذا إذا لم يخضع البعض للابتزاز الأمريكي ويستعمل الكيل بمكيالين، الذي تجيد استعماله الولايات المتحدة الأمريكية.
• إنّ هول ما حدث قد يستثير غريزة الانتقام. لكن على الإدارة الأمريكية أن تفكّر كثيرًا قبل الإقدام على ذلك. فالانتقام قد يعاقب الإرهاب، ولكنّه لا يعالجه، ولا يقطع الأسباب التي أدّت إليه. والانتقام سيصيب كثيرين من المدنيين والأبرياء، وسيزيد بالتالي من مشاعر الحقد والكراهية ضدّ الولايات المتحدة. هذه المشاعر التي كانت بلا شكّ وراء هذه التفجيرات. والانتقام سيشعل فتيل الصراع العالمي بين النفوذ الأمريكي الطاغي، وبين جميع المعترضين عليه أو المتضرّرين منه، ومثل هذا الصراع لن يبقى في نطاق الدول، بل سيمتدّ إلى الشعوب، ولن تنجو منه الولايات المتحدة نفسها.
•  من حقّ الإدارة الأمريكية، بل من واجبها، أن تحقّق فيما جرى، وأن تعاقب من تثبت عليه الإدانة. وليس من حقّها الاستمرار في سياسة التسلّط على العالم بحجّة قيادته، ولا في سياسة الكيل بمكيالين، ولا في ابتزاز الشعوب لتحقيق مزيد من الرفاهية للإنسان الأمريكي، ولا في اعتبارها نفسها وصيًا على العالم.
حين تتواضع القوّة الأمريكية لتعترف بالشعوب المستضعفة، وتميّزها بحضارة مختلفة، أو ثقافة مباينة، ولتفتح صفحة حوار بدل الصراع والتسلّط.
وحين تلتزم الولايات المتحدة بمقتضيات العدالة، وبحقوق الشعوب في أراضيها وخيراتها، وتترك دول العالم تبني نفسها وترسم مستقبلها، حينذاك يمكن أن تساهم في بناء المجتمع الإنساني من جديد. أمّا حين تستجيب لغرور القوّة، ومشاعر الانتقام، وجشع الأنانية، فهي تضع نفسها والعالم أمام خطر كبير.
إنّنا ننصح ونطالب بدراسة أسباب الإرهاب ومعالجته من جذوره. بدءًا بإرهاب الدول قبل إرهاب الأفراد. ونحذّر من مغبّة أيّ عمل انتقامي قبل ثبوت الاتهامات. ونناشد جميع دول العالم التدخّل لتغليب الحكمة والتعقّل.
