وصل الإسكندر إلى الفرما، بوابة مصر الشرقية، في خريف عام 332 ق.م، ولم يجد أي مقاومة من المصريين ولا من الحامية الفارسية عند الحدود ففتحها بسهولة، ثم عبر النيل ووصل إلى العاصمة منف، فاستقبله أهلها كمحرر منتصر،[83] ثم أقام مهرجانًا ثقافيًا ترفيهيًا على النمط الإغريقي احتفالاً بهذا الفوز العظيم. بعد ذلك سار بقواته بحذاء الفرع الكانوبي للنيل، متجهًا إلى ساحل البحر المتوسط، وحط رحاله بالقرب من بحيرة مريوط، وراعه أهمية المكان المحصور بين البحيرة والبحر المتوسط، خاصة إن المكان قريب من نهر النيل الذي يمده بالمياه العذبة. لقد وجد في المكان قرية صغيرة تُسمى «راكودة»، ومن ثم كلف أحد معاونيه ويدعى «دينوقراطيس» لكي يشرف على بناء مدينة في هذا المكان تحمل اسم القائد المقدوني، ألا وهي الإسكندرية، التي قُدّر لها أن تصبح عاصمة مصر لاحقًا خلال عهد البطالمة خلفاء الإسكندر.[84]

بقايا معبد آمون في واحة سيوة، حيث تُوج الإسكندر فرعونًا على مصر وسُمي ابنًا لكبير آلهتها.
بينما شرع المهندسون في التصميم، قرر الإسكندر القيام برحلة روحية لمعبد الإله آمون، المقابل لزيوس عند الإغريق، في واحة سيوة بالصحراء الغربية لمصر.[85] ولمّا وصل المعبد ودخله، قوبل بالترحاب من قبل الكهنة المنتظرين، الذين نصبوه فرعونًا على مصر وأعلنوه ابنًا لآمون كبير الآلهة المصرية، وألبسوه تاجه وشكله كرأس كبش ذو قرنين، فلقب بذلك «الإسكندر ذو القرنين».[86] ومنذ ذلك الحين، أخذ الإسكندر يزعم بأن زيوس-آمون هو والده الحقيقي، وظهر نقش رأسه لاحقًا على العملات المسكوكة مزينًا بقرون كبش، وهي علامة الخلود.[87] بعد ذلك رجع الإسكندر إلى منف، وقبل مغادرته مصر حرص على أن ينظم البلاد تنظيمًا دقيقًا. فقد حرص على الإبقاء على النظم المصرية القديمة، وتنويع الحكم بين المصريين والإغريق الذين وضع بين أيديهم السلطة العسكرية والمالية، وأبقى للمصريين السلطة الإدارية، ووزع السلطات بالتساوي، ولم يعين حاكمًا عامًا مقدونيًا، وبذلك ضمن رضى المصريين وعدم قيام الثورات الوطنية.[88] أصبحت مصر بهذا ولاية إغريقية، وأبقى الإسكندر على منف عاصمةً لها، كما حرص على فتح أبواب مصر للمهاجرين الإغريق خاصة المقدونيين، لأن مصر كما تخيلها القائد المقدوني كانت ولاية مقدونية إغريقية حكمًا وفكرًا وثقافة، وكان ذلك نقطة تحول في تاريخ مصر، إذ دخلت طورًا جديدًا من أطوار حضارتها المتنوعة.[88] قبل أن يغادر الإسكندر مصر، استعرض قواته للوداع وأقام للشعب المصري والإغريقي مهرجانًا رياضيًا وثقافيًا كرمز للتعاون بين الحضارتين العريقتين، كما أوصى موظفيه بالقيام ببعض الإصلاحات للمعابد وتجديد معبد الكرنك،[88] ثم شدّ الرحال واتجه بجيشه شرقًا مجددًا.