منذ منتصف السبعينات من القرن العشرين الميلادي، وباستثناء خبر استخراج البترول في عام 1998م، لم نكن نسمع من أخبار السودان الهامة غير أخبار الجفاف الساحق الماحق الذي تعقبه مباشرة الفيضانات المدمرة المهلكة، والتمرد الذي يرفض إلقاء السلاح ليتفرغ هذا البلد المنكوب للتنمية والإعمار بدلاً من التدهور والخراب بالرغم من التنازلات المتواصلة التي قدمتها له الحكومات المركزية المتعاقبة الأربع الأخيرة (نميري وسوار الدهب والمهدي والبشير). لقد جثم الجفاف لعقد من الزمان (1977-1987م) على صدر شعب السودان الذي يعتمد اقتصاده أساساً على الأمطار حيث تسهم الزراعة المطرية بشقيها النباتي والحيواني بنسبة تزيد عن 65% من الناتج المحلي الإجمالي، فقضى على كثير من الحيوانات الأليفة والبرية، وانخفض إنتاج المحاصيل النقدية والإعاشية، فانتشرت المجاعات التي أدت إلى العديد من الوفيات وخاصة في المناطق التي يعتمد سكانها في حياتهم على الأمطار اعتماداً يكاد يكون كلياً، فنزح أغلبهم إلى المدن بحثاً عن حياة بديلة فشكلوا ضغطاً على الخدمات الشحيحة أصلاً في المدن وأحدثوا فيها تغيرات ديموغرافية عميقة أدت إلى اكتظاظها بالسكان بينما انحسر عدد سكان الريف، كما أدت إلى تغيرات هيكلية في الاقتصاد السوداني نتيجة لتدهور الأحوال الاقتصادية في الريف فنزح أثرياؤه ليستوطنوا في المدن فازدادت أحواله تدهوراً مما أدى للمزيد من نزوح فقرائه ليستقروا في أطرافها معتمدين في معيشتهم على الإغاثات والإعانات لأنهم لم يجدوا أعمالاً بديلة ما عدا القليل منهم حيث لا تتواءم مؤهلات أغلبهم وخبراتهم الريفية مع متطلبات الأعمال المتاحة في المدن، فاضطروا لاتخاذ مما وجدوه من مخلفات المباني والمتاجر من كرتون وصفيح مواداً لبناء ما يأويهم ولكنه لا يكاد يقيهم من حر أو يعفيهم من برد، فتكونت مجمعات سكنية كبيرة المساحة وانتشر ما أصبح يعرف الآن بالسكن العشوائي أو مدن الصفيح أومدن الكرتون وما إلى ذلك مما يعبر عن بؤر سكانية تنتشر فيها وتنتقل منها الأمراض المعدية والأوبئة، مما أدى إلى تدهور الأحوال البيئية والصحية في المدن بما فيها، بل وعلى الأخص، مدينة الخرطوم عاصمة البلاد نفسها التي كانت أكثر حظاً من حيث أعداد النازحين. فتدهورت الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والصحية في المدن والريف معاً. ولم يكن ذلك نتيجة لاكتظاظ المدن وانحسار أعداد سكان الأرياف فحسب، ولكن أيضاً لانخفاض الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار المواد الغذائية وانخفاض الصادرات وازدياد الواردات مما أسهم في انخفاض سعر العملة السودانية بدرجة لم تشهدها من قبل، مما أدى بالتالي إلى تدهور اقتصاد البلاد بأسرها.
القرن العشرين يتخطى السودان
ولم تنته دورة الجفاف التي دامت لعقد من الزمان (1977-1987م) إلا لتبدأ دورة جديدة من الفيضانات التي بلغت ذروتها في عام 1988م عندما فاض النيل الأزرق الذي يمد نهر النيل بحوالي 85% من جملة مياهه، ومن ثم فاض نهر النيل نفسه بدرجة لم يعرفها السودان بعد عام 1946م، فدمر ما دمر من القرى والمدن الواقعة على ضفتيه بما في ذلك مدينة الخرطوم عاصمة البلاد نفسها، وأهلك ما أهلك من بشر وضرع وشجر ومزارع ومشروعات وبنى تحتية على طول مجراه من حدود السودان الشرقية وحتى حدوده الشمالية. ثم ما شاهدناه مؤخراً في شهر أغسطس 2003م الماضي من فيضان نهر القاش في شرق البلاد بدرجة لم تشهدها تلك المنطقة من قبل، فدمر ما دمر من المنازل والبنى التحتية الفقيرة أصلاً في مدينة كسلا، وهي من أكبر وأهم مدن شرق السودان، وأهلك ما أهلك من بشر وزرع وضرع أيضاً، وكأن القرن العشرين الذي طوَّع الإنسان فيه الطبيعة إلى حد كبير وسخرها، بعون الله، لخدمته، قد تجاوز السودان وتخطاه؛ مع أن الفيضانات تعتبر من أكثر الكوارث الطبيعية سهولة في السيطرة عليها والاستفادة منها وتحويلها من محنة إلى منحة وذلك بإنشاء الخزانات والسدود والمجاري وما يسمى في السودان بالترع وتوسيعها وتعميقها وما إلى ذلك من البنى التحتية التي تخزن المياه في أوقات الوفرة، أي في أثناء الفيضانات، لاستخدامها في أوقات الشح، أي في أثناء الجفاف، حتى وإن تطلب ذلك ترحيلها عبر الأنابيب البلاستيكية إلى أماكن بعيدة.
فبينما يقضي الجفاف على الأخضر واليابس، يدمر الفيضان ما عُمِّر خلال عدد من السنين، فكيف ينمو ويتطور اقتصاد في ظل هذه المطرقة (الفيضانات) وذلك السندان (الجفاف)؟ فضلاً عن نيران التمرد الذي سنتناوله لاحقاً. وحقيقة، فإن إنتاجية الأرض الواقعة على ضفتي نهر النيل تزداد بدرجة ملحوظة بعد انحسار الفيضان مباشرة ولكن لم يقدر أحد بدقة أيهما أكبر قيمة؛ الدمار الذي يحدث من جراء الفيضان، أم قيمة الاخضرار وارتفاع خصوبة الأرض وارتوائها بلا تكاليف إضافية بعد انحساره؟ وذلك لأنه لم يأبه أحد بإجراء مثل هذه التقديرات كما يحدث في الدول المتقدمة. فالحياة في الدول النامية عموماً تسير سيرتها بعد كل كارثة وكأن شيئاً لم يكن، وينساها الناس حتى تهددهم وتفعل فعلها بهم مرة أخري، ولذلك تتكرر المآسي وتزداد الأخطار وتبقى المشكلات بما في ذلك الكوارث كما هي على طبيعتها وسجيتها تكرر نفسها بين حين وآخر.
ولكن، هل كان يجب أن يتجاوز القرن العشرين ويتخطى السودان وهو الذي دخل فيه منذ بدايته حين سيطر عليه الاستعمار البريطاني في عام 1898م، فأنشأ فيه منذ عام 1902م، المدارس الحديثة الابتدائية منها والثانوية والعليا شاملاً مدارس الطب والهندسة والعلوم البحتة والعلوم الإدارية بمختلف جوانبها، وإن بدأت بعدد قليل من الطلاب، فقد تزايدت أعدادهم مع مرور الزمن إلى أن وصلت درجة من الكيف والكم أصبح معها الخريجون السودانيون من الرجال والنساء ومن مختلف مراحل التعليم العامة والجامعية وما فوق الجامعية ينافسون غيرهم في أسواق العمل الإقليمية والدولية وبكفاءة يشار إليها بالبنان؟ هذا من ناحية الموارد البشرية السودانية، أما من ناحية الموارد الطبيعية فحدث ولا حرج، والتي أقل ما يقال عنها أن أغلبها سواء ما هو في ظاهر الأرض أو في باطنها، عذراء لم يمسسها بشر. فما هي الأسباب التي حالت دون استفادة السودان من كثير من معطيات القرن العشرين بالرغم مما لديه من الموارد البشرية المتطورة (نسبياً) والموارد الطبيعية المهولة والثروة الكامنة؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في هذه المقالة.
انشغل السودانيون طوال النصف الأول من القرن العشرين بمقاومة الاستعمار والعمل على إخراجه من البلاد. وقد تم ذلك في عام 1956م نتيجة للحلف المقدس والتحالف الموفق بين المثقفين ورجال الدين الممثلين في طائفتي الأنصار والختمية اللتان اقتسمتا ولاء عامة الشعب، ثم سعت كل منهما لاستقطاب أكبر عدد ممكن من المثقفين حتى نتج عن ذلك ما يشبه توازن القوى بين الطائفتين. وإن كان حظ طائفة الختمية أكبر من حظ غريمتها في جذب المثقفين، فقد كان خط طائفة الأنصار من عامة الشعب هو الأكبر.
صراع حزبي رباعي الأضلاع
وبقدر ما كان التحالف بين المثقفين ورجال الدين موفقاً إبان فترة مقاومة الاستعمار وإخراجه من البلاد، بقدر ما كان نقمة عليها بعد الاستقلال. وذلك لأن قيادات وزعماء الطائفتين اعتقدوا أن المعركة قد انتهت بالانتصار على الاستعمار وحان وقت حصاد الغنائم ممثلة في كراسي الحكم وغيرها من مصادر السلطة والثروة والجاه. فاحتدم الصراع بينهما حول تلك الغنائم حتى أنساهما مصالح البلاد العليا والاهتمام بالتنمية والعمران اللذين غابا تماماً عن أجندتهما.
وفي غضون ذلك تأسس حزبان عقائديان متنافران من المثقفين الجدد (آنذاك)؛ أحدهما هو الحزب الشيوعي وثانيهما حزب الإخوان المسلمين اللذان اعتقدا، بخلاف الحزبين التقليديين، بأن معركة الاستقلال لم تنته بخروج المستعمر، وإنما بدأت لتوها، فالاستقلال حسبما رأى كل منهما لا يعني مجرد رفع علم البلاد بدلاً من علم الاستعمار وعزف نشيد السلام الجمهوري وسودنة الوظائف وإصدار العملة الوطنية فحسب، ولكنهما اختلفا تماماً في كيفية اكتمال الاستقلال.
فبالنسبة للحزب الشيوعي فلن يكتمل الاستقلال إلا بتغيير النظام الاقتصادي الرأسمالي الذي خلفه الاستعمار في السودان واستبداله بنظام اشتراكي وفك الارتباط بالمسعكر الغربي الاستعماري والانتماء إلى المعسكر الشرقي التحرري. أما الإخوان المسلمون فقد رأوا أن الاستقلال لن يكتمل إلا بتغيير الدستور والقوانين الغربية التي خلفها الاستعمار إ لى دستور وقوانين إسلامية، وتعديل نظامه الاقتصادي الربوي ليصبح نظاماً اقتصادياً إسلامياً تجمع بمقتضاه الزكاة من الأغنياء وتوزيعها على الفقراء والمساكين وينبذ المعاملات المالية الربوية ويعتمد على صيغ التمويل الإسلامية (مضاربة، مرابحة، مزارعة، استصناع... إلخ) وكان شعارهم من حيث الانتماء (ولا يزال) "لا شرقية ولا غربية، جمهورية إسلامية". فأصبح الصراع الحزبي الطائفي والأيديولوجي رباعي الأضلاع بدلاً من ثنائي الأضلاع، فتعمق الخلاف واشتد الاختلاف في السودان حتى أصبح الانشغال بالسياسة على المستويين الشعبي والرسمي هو الشغل الشاغل لكل شعب السودان، مما أدى إلى إهمال شبه تام للجوانب الحياتية الأخرى بما في ذلك الجوانب الاقتصادية والتنموية، مع أنه كان ينبغي أن تكون هي صاحبة الأولوية بعد تحقيق الاستقلال، كما كان ينبغى مواجهة كوارث الفيضانات والجفاف المستمرة إلى يومنا هذا، ووضع الحلول الناجعة لها، وتطوير بقية البنى التحتية للاقتصاد.
التمرد في الجنوب
ومن آثار ذلك الإهمال أيضاً عدم معالجة مشكلة جنوب السودان وهي في أطوارها الأولى. فقد بدأت كمشكلة باردة تلخصت في مطالبة زعماء الجنوب آنذاك بالحكم الفدرالي وبزيادة نصيبهم في الوظائف التي شغرت بخروج المستعمرين وتمت سودنة وظائفهم، ولأن مطالبهم لم تستجب، ازدادت حرارة المشكلة بالتمرد الذي حدث في عام 1955م وراح ضحيته عدد كبير من الشماليين الذين نقلوا للعمل في جنوب السودان ومن بينهم أطباء ومدرسين وزراعيين وبياطرة وإداريين. وبالرغم من ذلك، فلم تعر الحكومة أو المعارضة آنذاك تلك المشكلة الاهتمام اللازم. بل أصبح الجنوب بالنسبة لكلا الطائفتين مسرحاً جديداً للمعركة المحتدمة بينهما وصراعهما على السلطة، كل يود أن يستقطب أكبر عدد من نواب الجنوب في البرلمان لترجيح كفته البرلمانية على الآخر. أما بالنسبة للحزبيين الحديثين (الشيوعي والإخوان المسلمين)، فقد رأى الحزب الشيوعي أن الحل يكمن في النظر إلى الجنوبيين كالنظر إلى فقراء الشمال والطبقة العاملة (الكادحين) التي عندما تتوحد يتوحد شطري القطر تلقائياً، بينما كان رأي الإخوان المسلمون أن الحل يكمن في أسلمة سكان الجنوب ونشر اللغة العربية في أوساطهم لكي تتحقق الوحدة الوطنية التي تعتمد على وحدة الدين واللغة. ولكن، كل ذلك لم يلق آذاناً صاغية لدى سكان الجنوب ولم يلبِّ مطالب زعمائه التقليديين ولم يرتق إلى مستوى طموحات شبابه المثقف التي تراوحت بين الحكم الذاتي والحكم الفدرالي وتقرير المصير، وقليل منهم طالب بالانفصال واستقلال الجنوب عن الشمال. ولكن، بدلاً من اللجوء إلى الأساليب الديمقراطية التي كانت هي السائدة آنذاك لتحقيق المطالب (مذكرات، مظاهرات، اضطرابات، اعتصامات... إلخ)، لجأ بعض الجنوبيين رأساً إلى التمرد واستخدام السلاح، فازدادت مشكلة الجنوب سخونة وتفاقمت حتى وصل التمرد إلى ما وصل إليه الآن من القوة، يخوص حرباً تكاد تكون سجالاً مع جيش البلاد في مسارح العمليات ويقف نداً للحكومة في قاعات المفاوضات، مستغلاً الوضع الدولي الراهن الذي يصب في مصلحته لمبررات كاذبة ودعاوى خاطئة كالاضطهاد الديني والتمييز العنصري. وكان من نتيجة ذلك المزيد من الدمار والخراب في الجنوب وإيقاف مشروعات التنمية فيه تماماً، بل وتعطيلها في كل أنحاء البلاد لما يكلفه التمرد من أموال طائلة بالإضافة إلى إزهاقه للأرواح التي قدرت بحوالي مليون ونصف المليون حتى الآن وتشريد ما لا يقل عن مليونين من الجنوبيين، لجأ أغلبهم إلى شمال البلاد (فكيف يدعى المتمردون أنهم يقودون حرباً أهلية بين الشمال والجنوب؟)، وتوزع قليل جداً منهم بين دول الجوار الجنوبية.
ومن أهم آثار التمرد السلبية الأخرى أن دخل الجيش السوداني في المعترك السياسي بالانقلاب على الحكومات الديمقراطية التي كان دائماً يسيطر عليها حزبا الطائفتين، مما جعل الوضع السياسي أكثر تعقيداً إذ أصبح سداسي الأضلاع Hexagonal (الحزبان التقليديان والحزبان الأيديولوجيان والجيش والمتمردون)، فأصبحت الجوانب الاقتصادية والتنموية أكثر إهمالاً من ذي قبل. فحتى النوايا التنموية التي تبديها الحكومات العسكرية وما تقوم بإنجازه منها تجد مقاومة من السياسيين الذين يقودون معركتهم ضد الحكم العسكري من خارج البلاد، وأهم سلاح يستخدمونه في تلك المعركة هو السعي مع الدول الأجنبية التي تؤيدهم لمحاصرة السودان اقتصادياً، وسلاحهم الثاني هو الاتفاق مع المتمردين (وخاصة التمرد الحالي) مما يزيد التمرد قوة ويطيل من عمر النظام ويزيدهم هم (أي السياسيين المعارضين للحكم العسكري) ضعفاً ويدفع السودان بالتالي الثمن غالياً شعباً وأرضاً متمثلاً في تدهور الأحوال الاقتصادية وتعطيل تنمية البلاد التي لم يفكروا في إنجازها وعطلوا، بل وأوقفوا، كل ما كان يمكن أن ينجز منها من قبل الحكومات العسكرية التي، مهما كان رأينا فيها، ما أن يذكر أي مشروع تنموي تم إنجازه في السودان إلا ونسب لأحدها ابتداءً من عهد المغفور له بإذن الله، الفريق إبراهيم عبود، ومروراً بعهد المشير جعفر النميري وانتهاءً بعهد الفريق عمر البشير الحالي. غير أن ما يمكن أن يؤخذ على العهود العسكرية في هذا الجانب بالذات، هو ، بالإضافة إلى كبت الحريات، ما يسمى في السودان "بالتطهير" الذي يعني فصل المعارضين للنظام من الخدمة المدنية تحت ستار "الصالح العام" وخاصة في عهدي النميري والبشير، مما أفقد السودان كثيراً من الخبرات والكفاءات التعليمية والصحية والإدارية والفنية والعمالة الماهرة وغير الماهرة من الرجال والنساء التي كان من الممكن الاستفادة منها في التنمية فذهبت هدية مجانية لدول أخرى ومنظمات إقليمية ودولية وفقدها السودان. ونتيجة لما حققه أولئك (المطهرون)، منذ عهد النميري، من مكاسب مالية وغيرها لذواتهم وذويهم فقد أغرى ذلك العديد من الكفاءات الأخرى الذين لم يفصلوا من أعمالهم إلى الهجرة أيضاً حتى أصبحت هدفاً لكل من يستطيع العمل في خارج البلاد، مما زاد من هدر الموارد البشرية السودانية وأضعفها كثيراً، الأمر الذي انعكس سلباً على التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
الخروج من المولد بلا حمص
ونخلص مما سبق إلى أنه بالرغم من دخول السودان في القرن العشرين منذ بدايته ومن أوسع أبوابه، وهو باب التعليم، مما طور موارده البشرية بدرجة كبيرة، وبالرغم من موارده الطبيعية الكامنة والواعدة، فقد خرج منه خالي الوفاض كمن "خرج من المولد بلا حُمص"، كما يقول المثل السوداني الدارج، الأمر الذي جعل البلاد ضحية للكوارث الطبيعية وخاصة الفيضانات والجفاف اللذان يؤثران على اقتصاد البلاد وتنميتها بأكثر من أية كوارث أخرى. وإن كان النصف الأول من القرن العشرين قد انقضى في مكافحة الاستعمار ومحاولات إخراجه من البلاد، وهو أمر مفهوم بل مقدر، فقد ذهب النصف الثاني من القرن العشرين وهو الذي تطورت فيه التقنية الحديثة بأكثر من أي وقت مضى وتمكن خلاله الإنسان من السيطرة على الطبيعة بدرجة كبيرة وحقق من الابتكارات والاكتشافات ما فات على السودان نتيجة لانشغال قادته وزعمائه بالصراع السياسي والأيديولوجي من جهة، والتمرد الذي لم ينحصر الآن في جنوب السودان فحسب، بل امتد شرقاً وغرباً، من جهة أخرى. فما هو المخرج الآن من هذا المأزق التاريخي الذي يواجه السودان حتى أصبح شعبه أقرب ما يكون "كالعيس في الصحراء عطشى والماء فوق ظهورها محمول"؟
= إنهاء التمرد بالطرق السلمية وبالمفاوضات مع قادته وفي الوقت نفسه تنفيذ خطط التنمية المعدة وخاصة في جنوب البلاد وغيره من المناطق الأقل نمواً، وذلك لأن التنمية تخاطب المواطن العادي وتحل مشكلاته مما يكسر شوكة المتمردين ويفقدهم الشعبية ويقلص أعداد المستعدين لحمل السلاح في وجه جيش البلاد وحكومته المركزية.
= إذا تعنت المتمردون ورفضوا الحلول الوسطى التي ترضي جميع مواطني السودان وخاصة بعد الاتفاقية الأمنية التي تمت بين نائب رئيس الجمهورية الأستاذ علي عثمان طه وقائد التمرد الدكتور جون قرنق في سبتمبر 2003م (والتي على علاتها نتمنى أن تكون خطوة جادة في طريق السلام)، فيجب على كل القوى السياسية الوطنية المخلصة شمالية كانت أم جنوبية، حكومية كانت أم معارضة عزل كل المتمردين وتركهم لوحدهم لكي يحسوا بالضغط الشعبي عليهم، ويلقوا السلاح ويلجأوا إلى طاولة المفاوضات طائعين. فما يقوى شوكتهم الآن هو وقوف الأحزاب السياسية المعارضة معهم الأمر الذي جعلهم كلما تتنازل لهم الحكومة وتحقق مطالبهم يتقدمون بمطالب تعجيزية جديدة لا يمكن لأي أحد قبولها متبعين قاعدة زGive them an offer they canصt acceptس أي اعطهم عرضاً لا يستطيعون قبوله مما يجعل التمرد مستمراً إلى ما لا نهاية ويكبد البلاد ما يكبدها من تكاليف بشرية ومالية ويعطل التنمية إلى عقود قادمة وتستمر بالتالي كوارث الفيضانات والجفاف وغيرها من السلبيات والمعوقات في هذا البلد.
= أن ينحصر اهتمام الأحزاب وكل من له علاقة بالشأن العام من الحكام أو المعارضين في المصلحة العامة للبلاد بدلاً من مصالحهم الحزبية الضيقة ومكاسبهم الخاصة، حيث ثبت بالدليل العملي القاطع أن ذلك قد أضر بالجميع ولم يستثن أحداً.
= التخطيط الشامل للبنية التحتية بما في ذلك ما يدرأ خطر الفيضانات والاستفادة منها وكسر حدة الجفاف واثاره السلبية بدلاً من المشروعات المعزولة هنا وهناك. وأن تفرد لذلك ميزانيات خاصة به لا يتدخل فيها أحد ويتم تمويلها بالموارد المالية السودانية، وإن لم تكفِ فبالقروض الميسرة وخاصة من صناديق التنمية في الدول العربية والدول الصديقة والمؤسسات التنموية الإقليمية والدولية، على أن تخضع للمراقبة الجادة لضمان التنفيذ ومنع الفساد.
= السعي نحو تعظيم عائدات الصادرات السودانية وذلك بالمزيد من العناية بنظافتها وتعبئتها وتغليفها والالتزام الصارم بالمواصفات العالمية وسحب ترخيص كل من يفرط في ذلك من المصدرين الذين يسيئون لسمعة المنتجات السودانية في الأسواق العالمية الأمر الذي سيزداد أهمية على أهميته الحالية نتيجة لقيام منظمة التجارة العالمية. فتعظيم عائدات الصادرات يزيد حصيلة البلاد من العملات الصعبة ويزيد الدخل الوطني ودخل منتجي الصادرات نفسها مما يسهم في تمويل مشروعات التنمية والبنية التحتية بما في ذلك درء مخاطر الفيضانات والجفاف ويقلل من أسباب التمرد.
= السعي بجد لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة (FDI) سواءً كانت أجنبية خالصة أو مشتركة، خاصة وأن مناخ الاستثمار في السودان قد تحسن حالياً بدرجة ملحوظة، على أن يفتح الباب واسعاً للمستثمرين السودانيين والأجانب حتى في مشروعات تطوير البنية التحتية والخدمات العامة والخاصة.
= استقلالية الخدمة المدنية بالكامل عن الحكومة والأحزاب معاً لكي تستطيع القيام بمهامها التنموية والخدمية وتحافظ على كفاءاتها وخبراتها. وفي المقابل، يجب أن تنأى النقابات العمالية والاتحادات المهنية بنفسها عن العمل السياسي سواءً كان موالياً للحكومة أو للمعارضة وأن ينحصر اهتمامها في ترقية مهنها والمحافظة على مكاسبها الفئوية مع مراعاة مصلحة البلاد العليا.
= العودة إلى نظام التعليم السابق، وسلمه المبني على أساس أربعة سنوات لكل من المرحلة الأولية والمتوسطة والثانوية ومناهج مدارس وادي سيدنا وحنتوب وخور طقت ورمبيك ورصيفاتها من مدارس البنات، وإحياء رسالة معهد بخت الرضا وأبنائه في شندي والدلنج ومريدي، حيث كانت مخرجات النظام التعليمي السابق من الموارد البشرية (رأس المال البشري) أكثر علماً وثقافة وفناً وأدباً ولغة (عربية وانجليزية) ورياضة وإبداعاً وابتكاراً من النظام التعليمي الحالي.
وإن تم ذلك، فلن يتمكن السودان من تعويض ما فاته من معطيات القرن العشرين فحسب، وإنما سيتمكن أيضاً من الانخراط في القرن الواحد والعشرين دون أن يفوته من معطياته شيئاً، بعون الله تعالى.
@ أستاذ الاقتصاد بجامعة الملك سعود - الرياض.
