لا يقل دور قطاع العقارات في أي دولة أهمية عن القطاعات الاقتصادية الأخرى، حيث أن حركة نشاط أو ركود هذا القطاع تعتبر مؤشراً أساسياً لحجم السيولة النقدية المتوفرة والمتداولة في الاقتصاد المحلي؛ هذا بالإضافة إلى أن وتيرة حركة نشاط قطاع العقارات تؤثر إلى حد كبير في انتعاش أو تقلص حركة القطاعات الأخرى المكملة لها مثل؛ الاستثمارات في البناء وما يتبعها من نشاط المواد الداخلة في البناء مثل الأسمنت والطوب والحديد والأخشاب. وهذا بالطبع ينعكس إيجابياً أو سلبياً على قطاع المقاولات والمهندسين، وأيضاً على قطاع المفروشات والأثاث والأجهزة والمعدات والأدوات المنزلية، وإلى حد ما على البنوك التجارية. إذاً وكما يتضح من هذه الأمثلة أن قطاع العقارات له دور حيوي وفاعل في تحريك العجلة الاقتصادية في البلاد إذا كان نشطاً أو إبطائها إذا كان خامداً. وحسب الإحصاءات الأمريكية فإن إسهام قطاع العقارات في الناتج المحلي الإجمالي تتراوح ما بين 5%-15% وذلك حسب معدل السعر السائد لتكلفة رأس المال (سعر الفائدة).
أما بالنسبة لقطاع العقارات في المملكة العربية السعودية، فقد شهد نمواً متواصلاً، لا سيما منذ بدايات فترة الطفرة؛ ويمكن تصنيف هذا النمو في إطار عدد من المراحل وذلك تبعاً للمتغيرات التي طرأت على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في البلاد. وأهم هذه المراحل هي:
= المرحلة الأولى (1395-1400ه)؛ فهذه المرحلة انطلقت مواكبة للطفرة وتميزت بحركة للنشاط العمراني والاقتصادي كانت قوية وغير مسبوقة في المملكة العربية السعودية، حيث بدأت خطوات تشييد البنية التحتية. وبهذا الخصوص أكدت وزارة الأشغال العامة والإسكان (التي ألغيت في التشكيل الوزاري الأخير) أن إنجازات قطاع الإسكان في تلك المرحلة تجاوزت النسبة المستهدفة، وهي 13%، حيث زادت نسبة القطاع العام عما هو مستهدف بنحو 2%، بينما تجاوز القطاع الخاص المستهدف بنسبة 23%. كل تلك الزيادة كانت بسبب؛ تشجيع الدولة لهذا القطاع والاهتمام به بشكل مباشر، من خلال ما قدمه صندوق التنمية العقارية والذي تم تأسيسه بتاريخ 11-6-1394ه؛ علاوة على الوحدات السكنية التي أنشأتها الدولة لبعض منسوبيها، وإطلاق حرية العمل في النشاط العقاري.
= المرحلة الثانية (1400-1405ه)؛ جاءت هذه المرحلة لترفع نسبة الزيادة في هذا القطاع عن المستهدف إلى 64%، حيث كانت نسبة ما حققه القطاع الخاص من زيادة عن المخطط له هو 64%، بينما بلغت الزيادة الحكومية 62% من إجمالي الزيادة الأساسية. وتعود الزيادة في هذه المرحلة إلى تبني الدولة خططاً طموحة في هذا المجال، وأيضاً إلى التحسن في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. إن التحسن السريع والملحوظ لهذه الأوضاع كان السبب الرئيسي الذي أدى إلى هجرة الكثير من أبناء القرى إلى المدن الكبرى؛ وأدى أيضاً إلى التحول الاجتماعي الذي طرأ على الأسرة السعودية، حيث انتشرت ظاهرة إتجاه الشباب المتزوجين إلى الاستقلالية في السكن بالإقامة في وحدات سكنية مستقلة؛ هذا بالتالي نجم عنه زيادة في حجم التوسع العمراني.
= المرحلة الثالثة (1405-1415ه)؛ أهم ملامح هذه المرحلة ظهور انعكاسات أضرار حربي الخليج الأولى والثانية والتي انعكست سلبياتها على منطقة الخليج العربي بصفة خاصة والمنطقة العربية بصفة عامة. وفي هذه المرحلة قطاع العقارات في المملكة العربية السعودية يشهد ركوداً ولفترة ليست بقصيرة. ولكن الأسباب الرئيسية لهذا الركود لا تعود فقط إلى تداعيات أضرار حرب الخليج الثانية بل إلى توفر الوحدات العقارية بكثرة، ولو صح التعبير إلى تشبع ما هو معروض من الوحدات العقارية بالنسبة للطلب عليه. على أية حال؛ إن الركود في هذه المرحلة يعتبر أمراً طبيعياً بالنسبة للدورة الاقتصادية (نمو - ازدهار - ركود). إلا أن مشكلة ركود قطاع العقارات كانت لها انعكاساتها السلبية على مختلف الأنشطة الاقتصادية الأخرى في المملكة العربية السعودية، وقد أدى ذلك إلى ظهور عدد من التطورات، أهمها:
@ تجميد رؤوس الأموال المستثمرة في قطاع العقارات.
@ تعسر الموقف المالي لبعض المستثمرين.
@ ظهور مشكلات بين البنوك وعدد من المستثمرين.
@ بيع بعض المباني بأسعار زهيدة.
= المرحلة الرابعة (1416-1419ه)؛ تمثل فترة منتصف وأواخر التسعينات الميلادية. وأهم ما يميز هذه المرحلة هي استمرار ركود قطاع العقارات، وثبات الأسعار لفترة طويلة. وكان يعتقد بعض المراقبين أن رواج قطاع العقارات في المملكة العربية السعودية لن يعود إلى الذروة التي وصل إليها نظراً لارتباط تلك المرحلة بأسعار البترول والتي بلغت أدنى مستوياتها.
= المرحلة الخامسة (1420-1422ه)؛ مع حلول عام 1999م (شوال وشعبان 1420ه) شهد قطاع العقارات مرحلة تطور وحركة نشاط طبيعية، نتيجة للمرحلة الانتقالية من التكيف مع الأوضاع السائدة إلى مرحلة النمو الطبيعي (بالنسبة للدورة الاقتصادية). وبناءً على ذلك فقد عادت أسعار الأراضي إلى الارتفاع من جديد بنسبة حوالي 25%. إن النشاط الذي شهده قطاع العقارات لهذه الفترة أدى إلى ظهور بعض التطورات الإيجابية، والتي أهمها:
@ بلوغ عدد المنشآت التي تعمل في قطاع العقارات 959،31 منشأة (حسب إحصائية وزارة التجارة والصناعة لعام 1421ه).
@ قامت الحكومة ولا تزال ببذل جهود كبيرة من خلال الجهات المعنية في وزارة التجارة والصناعة منذ عام 1398ه، وذلك بوضع اللوائح والنظم التي تشتمل على بنود كثيرة منها؛ لائحة تنظيم المكاتب العقارية، اللائحة التنفيذية للمكاتب العقارية، نظام تحديد العلاقة بين المالك والمستأجر، ونظام تملك العقار لمواطني دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وقد شكلت مجموعة هذه اللوائح والنظم اللبنة الأولى والأساسية للنهوض بالمكاتب العقارية.
وقد نجم عن ذلك أن المكاتب العقارية تمكنت من تنظيم نفسها في كيانات رسمية لها اعتبارها وذلك من خلال تشكيل لجان للمكاتب العقارية تابعة للغرف التجارية الصناعية في المدن الرئيسية مثل الرياض وجدة والدمام ومكة المكرمة.
وبالرغم مما تميزت به بدايات هذه المرحلة من حركة نشاط في قطاع العقارات، إلا أنه ظهرت حالة الركود من جديد تقريباً خلال منتصف عام 1421ه. ويعود السبب إلى توجه الاستثمارات إلى الصناعة والسياحة والأنشطة الاستثمارية الأخرى، حيث تحقق هذه الاستثمارات عوائد أعلى نسبياً مما يحققه قطاع العقارات بسبب الدعم والتشجيع الذي تقدمه الدولة لتلك القطاعات. ونجم عن ذلك أن بعض المراقبين كانوا يصفون هذه المرحلة بأنها فترة ترقب ويصفون حالة قطاع العقارات بالهدوء النسبي.
= المرحلة السادسة (المرحلة الحالية - منذ عام 1423ه)؛ أهم ما يميز هذه المرحلة هو قرار مجلس الوزراء الذي صدر بتاريخ 9-2-1423ه الموافق 22-4-2002م، بخصوص الموافقة على مشروعي نظام ملكية الوحدات العقارية ونظام التسجيل العيني للعقار، جاء ليشكل مرحلة انتقالية نوعية لتطوير حركة قطاع العقارات في المملكة العربية السعودية. وأهم ما ينص عليه نظام ملكية الوحدات العقارية هو أن لكل مالك أن يبني على أرضه ضمن حدود الأنظمة والتعليمات مبنيً من طبقة (دور) أو أكثر وأن يفرزه إلى وحدات عقارية مستقلة تبعاً للتصميم المعتمد في المخطط والترخيص، ويحق له حرية التصرف في كل أو بعض هذه الوحدات باعتبار كل وحدة منها مستقلة عن الأخرى. أما بالنسبة لنظام التسجيل العيني للعقار فأهم ما يميزه هو إنشاء سجل عقاري يتم فيه، وفقاً لأحكام النظام، تثبيت الحقوق العقارية وما يطرأ عليها من تعديلات، وخصص هذا النظام لكل منطقة سجلاً عقارياً تفرد فيه صحيفة لكل وحدة عقارية يتم فيها قيد جميع الحقوق والالتزامات. إذاً وكما يتضح أن هذين القرارين يعتبران بمثابة نقلة نوعية لتنظيم حركة قطاع العقارات في المملكة العربية السعودية، حيث النظام الأول يمكِّن الأفراد، خاصة الشباب المتزوجين وذوي الدخل المحدود، من تملك وحدات عقارية (سكنية) وبأسعار معقولة ومناسبة؛ أما النظام الثاني فيعزز ويؤكد تملك هذه الوحدات العقارية من خلال تثبيت البيانات والمعلومات التي تتعلق بملكية الوحدة العقارية في سجل عقاري خاص بها.
لكن ومع الأسف الشديد بالرغم من مدى أهمية هذين القرارين، في إتاحة فرص أفضل وبأسلوب منظم لتملك الوحدات السكنية، إلا أن هناك شائعات بدأت تنطلق لتروج فكرة ارتفاع أسعار العقارات خاصة في المناطق الحضرية الكبرى. ولكن من وجهة النظر الاقتصادية، فإن هذه الشائعات تعتبر غير منطقية ولابد من العمل على إبطالها لسببين رئيسيين؛ أولهما ليس هناك أي علاقة بين ارتفاع أسعار العقارات وبين قراري التملك والتسجيل العيني للوحدات العقارية، ثانيهما ليس هناك أي مبرر، على الأقل في الوقت الراهن، لارتفاع أسعار العقارات. وبمعنى آخر لم يحن الوقت بعد لظهور الطلب الكافي على شراء العقارات بحيث يشكل ارتفاعًا لأسعاره بإطلاق الشائعات. وبهذا الخصوص لابد من التذكير أنه وفي عام 1997م أجريت دراسة تتعلق بالتمدد العمراني في المملكة العربية السعودية وكان أهم ما توصلت إليه هذه الدراسة هو؛ أن التوسع العمراني والبنية التحتية التي تم إنجازها في العاصمة الرياض يغطي الحاجة السكانية لمدة تتراوح ما بين 15-20 سنة، أما بالنسبة لمحافظة جدة فالمدة الزمنية تتراوح ما بين 10-15 سنة. وكان نتيجة لذلك أن النمو السكاني (الطلب على شراء العقارات) لهاتين المدينتين الكبيرتين كان متدرجاً وبالتالي كان يصحبه ارتفاع تدريجي لأسعار الوحدات العقارية نظراً لتدرج ظهور المواقع العقارية (العرض). ونجم عن ذلك استقرار نسبي لأسعار المعروض من العقار ولكن مع الأسف الشديد استمرت هذه الظاهرة لفترة طويلة.
على أية حال، هناك بعض المؤشرات (المعطيات) تشكل دعماً نسبياً لمصداقية بعض ما توصلنا إليه في مقالنا هذا. تلك المؤثرات تكمن في استدلالات نتائج دراسة أعدتها وزارة الاقتصاد والتخطيط عام 1421ه وتم نشرها مؤخراً وهي كالتالي:
@ أن حوالي 55% من المواطنين السعوديين يمتلكون منازل خاصة بهم.
@ أن إجمالي عدد الأسر (العائلات) السعودية والمقيمة يقدر عددهم بنحو 4،3 مليون أسرة، منها 2،1 مليون أسرة تسكن في فلل خاصة بها، و693 ألف أسرة تقيم في مساكن شعبية.
@ أن 40% من المواطنين معظمهم في المدن الصغرى والمناطق القروية و60% من العمال المقيمين ومعظمهم في المناطق الحضرية.
@ أن 311 ألف أسرة تسكن في منزل (مبنى بدون سور) وهؤلاء حوالي 90% من المواطنين ذوي الدخول المتوسطة ومعظمهم في المدن الصغرى والمناطق القروية، ونحو 1،1 مليون أسرة تسكن في شقق للإيجار منهم حوالي 30% من الشباب السعوديين المتزوجين، و5% من المواطنين ذوي الدخل المحدود، و65% من المقيمين.
وأما بالنسبة للوقت الراهن فإن آخر المؤشرات تدل على أن إجمالي قيمة السوق العقارية في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية يبلغ حوالي 900 مليار ريال سعودي، وفي محافظة جدة وحدها 100 مليار ريال سعودي. وإن متوسط العائد السنوي يشكل 20% من القيمة السوقية الإجمالية. هذا بالإضافة إلى أن الميزانية العامة للعام المالي 1423-1424ه قد خصصت نسبة 5،5% لقطاع صناديق التمويل الحكومي لشتى أغراض المشاريع التنموية لاسيما العقارية، وذلك تمشياً مع متطلبات ازدياد الطلب نظراً لارتفاع نسبة الزيادة السكانية في البلاد.
@ مستشار اقتصادي سعودي.
