صديق الحمام
صديق الحمام
يكثر من اللعب في المدرسة ؛ بل إنه كثيراً ما كان يلعب في الفصل ، و كان المعلمون يزجرونه :
• انتبه للدرس يا ناصر .
ينتبه قليلاً ، ثم يعود للعب ... و عندما يخرج من المدرسة يرمي حقيبته بسرعة ، ثم يتناول غداءه ، و يأخذ بندقيته الصغيرة ، و يركض مطارداً العصافير و الطيور حتى الغروب .
في استراحته كان يحلم بصيد الحمام من الجبل الصغير المجاور للقرية .. وضع خطة لذلك .. و في صباح يوم الخميس تسلل إلى هناك .. خرج من البيت و المزرعة راكضاً :
• اليوم الصيد العظيم .. لن أضيّع الوقت في المشي !!
كانت سعادته تزداد كلما اقترب من الجبل .هاهو يقترب ويقترب حتى يصل مدخل الوادي الذي يقوده إلى عمق الجبل .
• يا الله ما أكبر هذه الصخور ، و ما أجمل منظرها مع الأشجار .. لا أصوات هنا غير أصوات الطيور .. أوه لقد نسيت أن ألبس حذائي .. ستؤذي الأشواك قدميّ .. إنني عطشان و لم أحضر مطّارة الماء .. كل ذلك غير مهم .. المهم أن أصطاد الحمام .. الحمام !!
دخل الجبل متهيباً قليلاً :
• ماذا لو هاجمني ذئب ، أو ثعلب ، أو حيوان متوحش ؟ .. لا ... لا .. الحيوانات المتوحشة تختبئ في النهار .. بل إنها غير موجودة في جبل صغير كهذا ..أريد الماء .. أوه قدمي ..
مشى متمهلا بين الأشجار ، حتى لمح شبح طائر يتحرك بين الأغصان .. اقترب بحذر ، و صوّب بندقيته ، لكن الطائر فرّ .
• يا الله ، إنها حمامة سمينة .. لقد أحست بحركتي فطارت .. عليّ أن أجد أخرى .. عليّ بالصبر .
مرّ وقت طويل وصلت فيه الشمس منتصف السماء ، و هاهو يلهث .. لقد أنهكه المشي ، و يحتاج إلى الماء .. رفع رأسه إلى السماء :
• الشمس حارّة جداً .. لقد جعت .. لا أستطيع الرجوع ، فالمزرعة بعيدة ..أوه أين الحمام ؟ لن أعود إلا بصيد ..أجلس تحت هذه الشجرة حتى تحطّ عليها حمامة فأصطادها ...
حطّت حمامة فوق غصن الشجرة القريبة منه .. صوّب بندقيته نحوها .. ثم أطلق الرصاصة .. طارت الحمامة منحدرة ، و سقطت ريشتان من جناحها على الأرض ، و هوت على شجرة أخرى .. ركض زاعقاً :
• لقد اصطدتها !!
عندما اقترب من الشجرة طارت الحمامة إلى شجرة أخرى ..
• إنها مصابة !!
رمى بندقيته و ركض ليمسك بها .. طارت إلى شجرة أخرى ، طاردها ..أخذت تصعد إلى الأشجار العالية .. كان أحد جناحيها ثقيلا :
• ستكون بيدي بعد قليل !!
لكنه لم يمسك بها حتى الآن .. و قد صعد عاليا مع ألأشجار حتى وصل إلى صخور عظيمة .. حيث يبدأ الجبل بالارتفاع ، و تقل الأشجار .. جلس بالقرب من صخرة ، و كانت الحمامة فوق غصن الشجرة التي يراها في الصخور التي ترتفع هناك ..حلقه جاف ، و هو متعب و جائع ..
• أوه .. لقد امتلأت رجلاي بالأشواك .. كل هذا لا يهم .. المهم هذه الحمامة ..
بدأ مشوار الركض من جديد .. حتى سقط .. أثناء ذلك خيّل إليه أن الحمامة تحدثه :
• لماذا تريد قتلي ؟ لدي أولاد أحبّهم كما تحبّك أمك .. أنت عطشان ؟ حسنا .. الماء خلف هذه الصخور .. هيا اتبعني لتشرب و تعود إلى بيتك ... هيا ...
نفض رأسه المتعب ، و سحب جسمه المنهك إلى حيث الصخرة الكبيرة .. و في الطريق إليها أغمي عليه، و سقط .
كانت الحمامة تمسح وجهه .. و تقول :
• احضروا الماء من العين ..إنها خلف هذه الصخرة !!
ارتعش من الماء الذي يرشّ على وجهه ، و فتح عينيه بصعوبة ، فشاهد أمه ،و أباه ، و أخاه الكبير ، و خاله . التفت إلى الشجرة العالية .. كانت الحمامة هناك و عيناها تلمعان من الحزن . قالت أمه :
• لماذا فعلت ذلك يا بني ؟ .. لقد ساعدتنا هذه الحمامة المسكينة عند دخولنا الوادي .. كانت تطير أمامنا ، و تحط ، و تطير ، و تحط ، و هي تومئ برأسها .. و قد تبعناها حتى وجدناك ..
قام ناصر ليعود مع أهله .. التفت إلى الحمامة الساكنة و ابتسم .. في اليوم الثاني أخذ يحدث زملاءه عن ذكاء الحمام ولطفه و وداعته .. و في الأسبوع الثاني دعا زملاءه إلى بيته للمذاكرة و مشاهدة برج الحمام الذي بناه هو خاله ..
و لكثرة حديثه عن الحمام صار أصدقاؤه يدعونه بــ (( صديق الحمام )) .
الجدول الصغير
في مكان في الأرض ، يعيش نهر عذب ، و مرح ..
و يجري كل يوم بين الجبال ، و الأشجار ،
و يستمتع بتغريد الطيور ، و أغاني الرعاة ، و الصيادين ..
تغمره السعادة عندما يرى الفلاحين مقبلين للسقيا من مائه ،
و يفرح عندما يأتي الأولاد و يسبحون ، و يلعبون في أرجائه ،
و يحب أن يروي الغزلان ، و الوعول ، والذئاب ، و كافة الحيوانت ، و الطيور ، من مائه البارد ..
كان هكذا منذ زمن طويل ..
و كانت مسراته دائمة : ليل نهار ؛
إلا في ذلك اليوم الذي ملأت فيه الغيوم السماء ، و أمطرت بغزارة ، ففاض حتى امتلأ سعادة بالمياه الجديدة ، لكنه ، و هو في مساره ، يجمع الجداول الصغيرة ن ويرتب المياه ، و يوزعها فوق مساحاته العريضة ، لاحظ أن جدولا صغيراً ، يترك مساره ، و ينفلت إلى صخور بعيدة ، و يتجه إلى حيث يمتد الفضاء ..
صرخ النهر مناديا الجدول ... ناداه .. و ناداه .. إلا أن الجدول سار مبتعدا في طريقه الجديد .. قائلا بصوت بعيد :
- سأبحث عن مسار جديد !
مشى حتى وصل إلى صخور متراكمة ، و عالية ، تسد طريقا منحدرا ، التف حولها ، و تسلل من تحتها ، حتى مرت مياهه .. رأى أمامه الكثير من الشجيرات ، و الأعشاب العطشى ، ركض نحوها ، و سقاها ، جاءت طيور صغيرة : عصافير ، و حمام ، و قطا ، و حجل ، و سحالي ، و حيوانات قافزة ، و زاحفة .. ومرحة .. و شربت .. بعضها جلس يأكل غذاءه .. و كثير من أولادها كونوا حلقات لعب .. انشرح قلب الجدول ، و استقر هناك مكونا بحيرات ، وجداول تدور حول الأشجار ، و الصخور .. سمع ضحكات أصدقائه الجدد ، فازدادت سعادته .. كان صوت نداء النهر البعيد ، يصل إليهم متقطعا ، و قد ظللته الغيوم ...
القط الضاحك
في بيت صغير ، و نظيف ، يقع في نهاية شارع قريب من البحر ، كانت تسكن عائلة القطط المكونة من القط الكبير ، و القطة الكبيرة ، و أولادهما الخمسة ..
الأب لا يستريح إلا قليلاً ، فهو دائم البحث عن طعام لأولاده ، إنه يقطع الحارات ، و يذهب بالقرب من البحر ، باحثاً عن سمكة صغيرة سقطت من قفة أحد الصيادين ، أو عن قطعة صالحة للأكل رمت بها إحدى الأسر ، بعد غدائها أو عشائها ...
الأم كذلك تبحث عن الطعام ، غير أنها لا تبتعد كثراً عن البيت ، فهي ترعى الصغار ، و تنظف فرائهم بلسانها بعد اللعب .
لاحظت الأم و الأب ، أن أولادهما الخمسة يتشابهون في كل شيء : عيون دائرية صغيرة و ذكية ، و حركة سريعة ، و مواء لطيف ، غير أن أحدهم ، و اسمه ( بسبوس ) ، كانت عيناه تلمعان بالفرح دائماً .. و كان لا يغضب إلا نادرا .. كتلك المرة التي طارد فيها القط الصغير الأحمق ، الساكن بالقرب من منزلهم ، و الذي ضايق أحد أخوته ، لقد طارده من جدار إلى جدار ، حتى نادته أمه ، فعاد ..
أما مع أخوته ، و أصدقائه ، فكان لطيفاً .. يسرع في مساعدتهم ، و يرتب لهم الألعاب ، و ينبههم إلى السيارات المسرعة ، و الأولاد المشاكسين .. و عندما زارهم جارهم ـ القط الكبير ـ مدح ( بسبوس ) كثيراً ، و أطلق عليه لقب ( بسبوس الضاحك ) .. و سرعان ما انتشر الخبر في حارة القطط .. جاءت كثير من الأمهات لتهنئة والدته ، و هن يحملن الهدايا المناسبة : ( قطع سمك جافة ، قطع دسمة ، جرادة ميتة ، و أخطبوط ملون قذفته أمواج البحر ... ) ، في حفلتهم تلك أكثر الكبار من النصائح ، و علق عليها أحد أبناء الجيران ، الكثير من النكات .. ضحك الجميع ، إلا قط عجوز .. نظر إليه القط الجالس بجانبه ، و قال :
• لا تأخذ كل شيء على محمل الجد .. اليوم حفل !
• لكن انظر إلى وساخة جسمه و إلى عينه المتورمة !
• أه .. لقد ضرب عينه أحد الصبيان .. و مع هذا لا تغضب !
الآن و قد جاء دور بسبوس .. وقف على المنصة ، وشكر الجميع على حفاوتهم ، و قدم شكراً خاصاً لجارهم الذي لقبه بالقط الضاحك ، قال ذلك ضاحكاً .. ضج الجميع بالضحك .. هدأهم بيده ، و قال :
• يا أهلي لقد تعلمت من والدي و والدتي ، أشياء كثيرة ، أهمها ألا أغضب ، وقد استفدت كثيراً من ذلك .. أنتم ترون أن الجميع يبادلونني المحبة و الاحترام .. لقد مررت بكثير من المواقف غير المريحة .. لكنني وجدت العذر لصاحبها : فربما كان تصرفه عن غير قصد ، و ربما كان يقصد به المزاح . . لم يجلب لي الغضب شيئاً ..
اتبع ذلك بضحكة كبير .. صفق له الجميع .. نزل من المنصة ، و قام جارهم ، أثنى عليه ، و طلب من شباب القطط الحاضرين إنشاء نادٍ للضحك .. تصايح أولاد القطط فرحين ، و تقدموا من بسبوس ، و حملوه إلى المنصة ، و نصبوه رئيساً لنادي الضحك في حارتهم .
