الجيولوجيا

الشق السوري الأفريقي.

أخدود وادي الأردن.
يشكل وادي الأردن جزءاً من الأخدود العظيم (حفرة الانهدام التاريخية) والذي يمتد من تركيا إلى شرق أفريقيا. وقد تشكل نتيجة تغيرات جيولوجية شهدتها القشرة الأرضية منذ ملايين السنين، وقد تشكل في قلبها البحر الميت الذي كان يمتد في الأصل على طول 360 كلم من العقبة جنوبًا إلى بحيرة طبريا شمالاً. يعتبر وادي الأردن بأرضه الخصبة ومناخه الدافئ، والبحر الميت بمياهه العلاجية، مركز جذب سكاني عبر التاريخ، فقد شهد هذا الوادي العديد من الأقوام والحضارات التي تعود إلى عصور قديمة جدًا. وقد تم الكشف عن أكثر من 200 موقع أثري حتى اليوم، ومعظم هذه المواقع المحيطة بمنطقة البحر الميت تتصل اتصالاً وثيقًا بأحداث ذُكرت في الكتاب المقدس، ومن أهمها كهف النبي لوط.[7]
وقد أجرى بعض الباحثين الإسرائيليين مسحًا جيولوجيًا لقاع البحر الميت عام 1967، وقالوا: "يبدوا أن قاع البحر الميت الحالي مكون من صخور تكوين أصدم الملحي الذي يقع تحت الحوض الجنوبي للبحر الميت". بمعنى أن هذه الكتلة كانت تحت قرى النبي لوط، وأن تكوين هذه البقعة المنخفضة كما ورد مشابه لتكوين أصدم، بينما المحيط الموجود فيه هو من تكوينات جيولوجية مختلفة عنها، هذا بالإضافة إلى وجود صدوع مستعرضة حول هذه البقعة تؤكد أنها لم تكن أساسًا ضمن التكوين الصخري الموجود فيه، وإنما جاءته من منطقة أخرى، وهذا يؤيد حدوث مثل هذا الانزلاق لهذه الكتلة الصخرية. كما يؤيد صحة هذا الدليل صورة الأقمار الصناعية لقاع البحر الميت، والتي يظهر فيها ست نقاط يُعتقد أنها تجمعات سكانية تمثل قرى النبي لوط، وصورة غواصة بريطانية لنفس المنطقة عام 1957 يظهر فيها أيضًا آثار مساكن وقرى مطموة بالملح.[13]
التشكل
يُعتبر البحر الميت ظاهرة طبيعية ناردة الوجود في العالم، فهو عبارة عن بحيرة مغلقة لا تتصل بالبحار الخارجية المجاورة (البحر المتوسط و البحر الأحمر). كما يقع في منطقة كانت جزءاً من الموطن الأصلي للإنسان الأول، ومهبطًا للديانات السماوية الرئيسية، ومكانًا لنشوء الحضارات القديمة، ومعبرًا للحركات التجارية والغزوات العسكرية عبر العصور التاريخية المتتابعة.[22]

صورة جوية للبحر الميت خلال السنوات 1972، 1989، 2011.[23]
يعود بداية التشكل الجيولوجي للبحر الميت إلى أواخر العصر الثلاثي، أي قبل حوالي 3 - 7 مليون سنة.[24] فقد تكون على أنقاض البحيرات القديمة التي شغلت الانهدام الأردني حيث يقول علماء الجيولوجيا: أن "بحر تيش" أو Tythas الذي يشغل البحر المتوسط جزءاً من مكانه، كان يغطي أغلب أراضي المنطقة العربية، وبعد انحساره وتراجعه ووصوله إلى الشكل الحالي للبحر المتوسط، بقيت منطقة الغور ممتلئة بالمياه مكونة بحيرة أصدم القديمة التي كانت تتصل بالبحر المتوسط بواسطة مرج بن عامر ثم غور الأردن الأوسط حتى عصر الميوسين.[25] وبعد عصر الميوسين، انقطع اتصال البحيرة الأردنية القديمة (بحيرة ما بعد أصدم) بالبحر المتوسط. وأخذت تنحصر شيئاً فشيئاً نتيجة لارتفاع مستوى التبخر في المنطقة بسبب درجات الحرارة المرتفعة. ويعتقد العلماء يأن البحيرة تعرضت لعملية هبوط ثانية بسبب الضغط الكبير الواقع عليها، بسبب تركز الأملاح في قاعها حتى تكوّن البحر الميت بشكله الحالي والذي يعتبره علماء الجيولوجيا حالة دراسية نادرة الوجود، حيث يقع أطول فالق إزاحي قاري في العالم يصل امتداده إلى أكثر من 1000 كم مصحوب بإزاحة جانبية تبلغ حوالي 105 كم. وقد لفت انهدام البحر الميت بتشكيله الجيولوجي ونشاطه التكتوني انتباه الكثير من العلماء في شتى مجالات علوم الأرض.[26][27][28][29][30]
تتميز مياه البحر الميت بشدة ملوحتها التي تصل إلى 340 غم/ لتر في أعماقه، وهي نسبة كبيرة جدًا، ّإذ تبلغ الملوحة فيه عشرة أضعاف ملوحة البحار والمحيطات. ويختزن البحر الميت في باطنه ثروة هائلة لمجموعة كبيرة من الأملاح قد لا تنضب بسبب ضخامة حجمها ودخولها في الصناعات الحديثة.[13] اختلفت الآراء حول أصل تكون هذه الأملاح، وفيما يلي استعراض لثلاث نظريات تفسر كيفية تكونها:[24]
نظرية ترسيب الأملاح البحرية: وتقول أن هذه الأملاح جاءت من مصدرين هما الترسيب المائي، والترسيب الجوي.[24]
نظرية تجمع الأملاح التحتية: وتقول أن الأملاح تكونت من مياه نهر الأردن والأودية والينابيع الجانبية التي ترفد البحر الميت مباشرة، فهي تحتوي على كميات هائلة من الأملاح مشابهة لأملاح البحر الميت.[24]
نظرية الأمطار البركانية: وتقول أن جزءاً من أملاح البحر الميت تكون نتيجة العذاب الذي حل بقوم لوط.[24]
التركيب الكيمائي

حصى شاطئية من الهاليت؛ من ساحل البحر الميت الغربي.
تُقدر كمية التبخر في مياه البحر الميت بحوالي 1600 ملم في العام. وبحسب الفحوصات التي أُجريت على مياهه فإن عملية التبخر والتغيرات الكيمائية تحدث خلال الأربعين مترٍ العليا، وما دونها فهو ثابت لا يتغير. إذاً تختلف كمية ونوعية الأملاح حسب العمق. وتبلغ الأملاح المذابة 44 مليار و 957 مليون طن. ومن هذه الكمية تُقدر المواد التالية بملايين الأطنان: كلوريد المغنيسيوم حوالي 23 ألف مليون طن، ملح الطعام حوالي 12 ألف مليون طن، كلوريد الكالسيوم حوالي 6 الآف طن، كلوريد البوتاسيوم حوالي ألفان مليون طن، بروميد المغنسيوم حوالي 975 مليون طن، كبريتات الكالسيوم حوالي 105 مليون طن، بيكربونات الكالسيوم حوالي 46 مليون طن، وكلوريد الروبيديوم حوالي 12 مليون طن.[31]
ومن الجدير بالذكر، أن هناك مصادر أخرى عملت على زيادرة نسبة الأملاح في البحر الميت كالينابيع الساخنة والمعدنية مثل: ينابيع الزهار الكبريتية، وحمامات زرقاء ماعين، إذ أن التحاليل التي اُجريت على مياه هذه المصادر دلت على نفس التركيب الكيماوي لمياه البحر الميت، حتى أن التحاليل الكيميائية التي أُجريت لمياه منجم بترول أسدم أظهرت علاقتها بمياه البحر الميت.[31]
إن قوة تركيز أملاح البحر الميت التي ينفرد بها عن كل بحار العالم الداخلية هي عجيبة في حد ذاتها. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل أن التركيب الكيماوي لمياه هذا البحر يختلف أيضًا عن غيره من بحار العالم الداخلية الأخرى، فهو يتكون في معظمه من أملاح الكبريتات والكربونات. والغريب في الأمر أيضًا، أن أملاح الكالسيوم تكاد تكون معدومة، إذ أن ذلك لا يحدث لأي بحر داخلي مثل البحر الميت. والأغرب من ذلك كله وجود كمية البروم العالية التي تبلغ 5920 ملغم لكل لتر والتي لا يوجد مثلها في أي بحر معروف، حيث أن كمية البروم في المحيطات تبلغ 290 ملغم/ لتر وفي البحار المالحة 1000 ملغم/ لتر.[31][32]
الروافد المغذية
يغذّي البحر الميت بالإضافة إلى نهر الأردن، عدد من الوديان والسيول الممتدة على جانبيه الغربي والشرقي. إذ يبلغ عددها من الجانب الغربي 23 واديًا وسيلاً، فيما يبلغ عددها من الشرق 5 فقط.[33] وتبلغ مساحة المجاري المتعلقة بالبحر الميت 40,6 كم2. وتأتي معظم تدفقات المياه إلى البحر الميت من مناطق ذات الكثافة المطرية النسبية لمجرى نهر الأردن إلى الشمال والمنحدرات العمودية للوادي المتصدع لشرق وغرب البحر الميت. وإلى الجنوب، يغطي خط تقسيم مياه وادي عربة المناطق القاحلة للنقب وصحراء الأردن الجنوبية.[14][34]

وادي الموجب، يغذي من الشرق

 

وادي الهيدان، يغذي من الشرق

 

وادي داود، يغذي من الغرب

 

وادي المربعات، يغذي من الغرب

 

وادي قدرون، يغذي من الغرب

 

وادي السيال، يغذي من الغرب

مشروع القناة
Crystal Clear app kdict.png مقالة مفصلة: قناة البحر الميت

حفر بالقرب من البحر الميت.
يمر مُستوى المياه في هذا البحر التاريخي يتراجع حاليًا بمُعدلات لا تُصدق تاركًا خلفة آلاف الحفر، حيث يوجد حاليًا ما يُقارب 3000 حُفرة على الجانب الغربي ومئات الحُفر على الجانب الشرقي، وذلك بارتفاع شديد في وتيرة تشكل هذه الحُفر بشكل فُجائي، في وقت كان البحر يحتوي فيه على 40 حفرة فقط في العام 1990. الخُبراء في هذه المجال يُشيرون إلى أن مثل هذه الحفر تظهر حاليًا بمُعدّل حُفرة واحدة يوميًا، وأن المخيف فيها هو عدم وجود طريقة بمعرفة مكان أو توقيت ظُهورها. ظهور هذه الحفر متعلق بصورة مباشرة بتعرض البحر الميت للجفاف بمُعدل متر واحد سنويًا، بحيث تنهار الأرض فجأةً و تتشكل حفر كبيرة أحيانًا مما يُشكل خطرًا على المناطق المُحيطة بالبحر من مزارع و طرقات وحتى أبنية كالفنادق أو المنازل. وتتشكل الحُفر هذه نتيجةً لتفاعُل المياه العذبة القادمة من مياه الأمطار أو بعض الينابيع تحت الأرض بالأملاح الموجودة في الأرض بعد تعرُض مساحات جديدة للتجفيف.[35][36]

كارثة زوال البحر الميت. الفرق بين عامي 1960 و2007.
ولإنقاذ البحر الميت من الجفاف، قام الأردن بالتعاون مع كل من السلطة الفلسطينية وإسرائيل بالتخطيط لمشروع اُطلق عليه "قناة البحرين"، وهو مشروع مقترح لشق قناة تربط بين البحر الميت وأحد البحار الـمفتوحة (البحر الأحمر أو البحر الأبيض المتوسط)، مستفيدا من 400 متر الفرق في منسوب المياه بيـن البحار. قد تعوض المياه المتدفقة عبر القناة انخفاض مستوى البحر الميت بسبب تحويل المياه إلى إسرائيل بواسطة سد دغانيا المقام على نقطة الاتصال بين بحيرة طبريا ونهر الأردن. وسحب المياه الحلوة المتدفقة طبيعيًا إلى البحر الميت إلى أجهزة الري الإسرائيلية والفلسطينية والأردنية.[37] بالمقابل، عارض المشروع الكثير من المنظمات البيئية في المنطقة، حيث أشارت عدد من الدراسات أن تدفق حوالي 2 مليار متر مكعب سنويًا من مياه البحر الأحمر إلى البحر الميت سيحدث تأثيرات بالغة الخطورة على كنوز وثروات البحر الأحمر، حيث مناطق الشعب المرجانية وحدائقها التي لا تقدر بثمن، كما سيغير من تركيبة البحر الميت. من جهة أخرى، يرى نشطاء سياسيون أن للمشروع أبعادًا سياسية واستراتيجة تضر الأردن والسلطة الفلسطينية، وهي بناء المستوطنات الإسرائيلية، وجلب المزيد من المهاجرين وخلق واقع ديموغرافي جديد في المنطقة وخلق رافد بشري مستمر لقواها العسكرية.[38][39][40][41]
وقد تم التوقيع رسميًا على اتفاقية بين الأطراف الثلاثة في كانون الأول/ ديسمبر 2013 لمد خط أنابيب ينقل المياه من البحر الأحمر إلى البحر الميت، حيث استمر تداول خطة ربط البحرين الأحمر والميت على مدار عقود وخضعت للعديد من التغيرات، كما أنها كانت مُتضمنة أيضًا في اتفاقية السلام بين إسرائيل والأردن عام 1994. ويشمل المشروع مرحلة أوليّة سيتم خلالها بناء خط أنابيب لنقل المياه طوله 180 كم من محطة تحلية المياه في ميناء العقبة الأردني الموجود على الساحل الشمالي الشرقي للبحر الأحمر إلى البحر الميت.[42][43]
ويهدف المشروع إلى منع تدهور وانكماش البحر الميت وتوصيل المياه النقية إلى الأردنيين والفلسطينيين والإسرائيليين. ويعاني الأردن خصيصًا مؤخرًا من تداعيات نقص المياه بسبب زيادة عدد السكان في ظل استمرار تدفق اللاجئين من سوريا. وقد أعلن البنك الدولي أن البرنامج التجريبي قابل للتطبيق بتكلفة 10 مليار دولار أمريكي، لكنه حذر وكذلك المنظمات البيئية من العديد من المخاوف البيئية المتعلقة بالمشروع.[42]
التاريخ

رسم تخيلي للعذاب الذي تعرض له سكان مدينتيّ سدوم وعمورة ، وهم قوم لوط.

مخطوطات البحر الميت.

مسعدة، تقع في النقب، وتشرف على البحر الميت.

خربة قمران قرب أريحا، فلسطين.

نهر الأردن والبحر الميت على خارطة مادبا الفسيفسائية في الأردن.
نالت منطقة سدوم وعمورة أهمية لاهوتية في كتابات الكثير من الباحثين ما بين الوصف كما في كتابات الرحالة العرب وغيرهم، وإتباع منهجية علمية في الدراسة عند بعض الباحثين ساهمت في تسليط بعض الضوء على حادثة الخسف الشهيرة التي عمت منطقة الحوض الجنوبي للبحر الميت. كما أكد الكثير من العلماء أن مكان الخسف قد تم في مكان الحوض الجنوبي للبحر الميت الحالي، وبأن المدن التي ذكرت في القرآن، والتوراة كانت موجودة في مكان الحوض الجنوبي، وأن الخسف الذي حدث في الألف الثاني قبل الميلاد قد دمّر المدن ومن سكنها. وقد استبعد بعضهم أن البحر الميت قد تكون في تلك الفترة فقد كان موجودا قبل حادثة الخسف. وقد أكدت بعض الدارسات أن البحر الميت قد تشكل بعد تكون عدة بحيرات سبقت مرحلة البحر الميت الحالي، وأن بعض هذه البحيرات كانت ذات مياه عذبة.[44]
ولقد اتفق العلماء على أن منخفض البحر الميت قد شغله عدة بحيرات سبقت تشكل البحر الميت الحالي وهي بحيرة أصدام، بحيرة السمرة، بحيرة اللسان، وبحيرة دامية، والبحر الميت الحالي.
فعندما بدأ تشكل منخفض الأغوار، كانت الجبال الشرقية متصلة مع الجبال الغربية. وعندها بدأ منخفض الأغوار بالتشكل بالحركة الأفقية أو العمودية كما أشار العديد من العلماء. ومهما يكن الأمر فقد انفرج منخفض الأغوار على شكل أحواض واسعة لكنها لم تكن عميقة، ويبدو أنه كان متصلا مع البحر المتوسط. ومع توالي عملية الانخفاض انقطع الاتصال ما بين البحر المتوسط ومنخفض البحر الميت. وينقطع بذلك اتصال البحر المتوسط مع الأغوار والذي زودها بالمياه فترات زمنية طويلة نسبيا. وأصبح مصدر المياه التي تغذي منطقة الأغوار يعتمد بشكل مباشر على مياه الأمطار.[45]
وقد تعرضت تلك البحيرات خلال تاريخها الطويل إلى اختلاف من حيث الانخفاض عن مستوى سطح البحر والامتداد الأفقي وملوحة المياه. وكان تعتمد بشكل مباشر على رطوبة الجو و معدلات الأمطار، حيث كانت تسود المنطقة فترات من الجفاف تليها فترات انتقالية ثم فترات رطبة مما يؤدي إلى جفاف تلك الأجسام المائية أو الامتلاء في الفترات الرطبة. وتشير المصادر الجيولوجية إلى أن بحيرة السمرة نتجت عن فترة رطوبة رافقها ازدياد كبير في معدلات الأمطار وأنها ترافقت مع إحدى العصور الجليدية إلي سادت الأرض وكانت ذات مياه عذبة. أما بحيرة اللسان فقد كانت مياهها عذبة أحيانًا ومالحة في أحيان أخرى حسب رطوبة الجو. وهي أكبر المسطحات المائية التي شغلت منخفض الأغوار حيث وصل طولها إلى 220 كم.[45]
ومع نهاية بحيرة اللسان حدثت فترة جفاف قبل 14 ألف سنة، والتي أدت إلى جفاف معظم المسطحات المائية في منطقة الأغوار وهي متطابقة مع أخر عصر جليدي في فترة بحيرة دامية. ومع نهاية بحيرة دامية تشكل البحر الميت الحالي قبل 11 ألف سنة، وقد كان مستوى سطحه يتعرض إلى تذبذب سببه الظروف الطبيعية الناتجة عن التقلبات المناخية إلى أن تحول التقلب في مستوى سطح البحر الميت إلى عوامل بشرية ناتجة عن تحويل مصادر تغذية البحر الميت بالمياه وأهمها نهر الأردن، وإقامة السدود المائية على الأودية التي ترفد البحر الميت بالمياه حتى انخفضت كمية المياه الواردة إلى البحر الميت من 1200 مليون متر مكعب قبل عام 1960 إلى أقل من 300 مليون متر مكعب في الوقت الراهن.[45][46][47][48][49][50][51]
وقد وُصف البحر الميت في الكثير من الخرائط والمواقع الدينية اليهودية والمسيحية، حيث تُعد خارطة مادبا الفسيفسائية أهم تلك الخرائط. وهي جزء من أرضية لكنيسة قديمة في مدينة مادبا في الأردن، تعود إلى العصر البيزنطي. وهي أقدم خريطة أصلية للأراضي المقدسة، والتي يعود إنشاؤها إلى سنة 560. توجد اليوم داخل كنيسة القديس جوارجيوس في مدينة مادبا، والتي بُنيت في عام 1896 فوق بقايا الكنيسة البيزنطية.[52] تمتد خريطة مادبا على جزء من أرضية الكنيسة، وتُقدر أبعادها بنحو 15.75 عرضا 5.60 طولا، وتشكل مدينة القدس مركزا لها. وتظهر فيها مواقع في فلسطين والأردن وسوريا ولبنان ومصر.[53][54]
وتوجد على شواطئ البحر الميت منطقة تاريخية مهمة، هي خربة قمران، وهي موقع أثري صغير الحجم، يقع على مقربة بضع كيلو مترات جنوبي أريحا في فلسطين. اكتسب شهرته العالمية بسب عثور مخطوطات البحر الميت فيه، وقبل العثور على المخطوطات لم يكن معروفاً الا عند القليل من علماء الآثار. وكانت أول زيارة للموقع من قبل علماء الاثار في أواخر القرن العشرين. وقد بدأت الحفريات هناك في عام 1950، وكانت عبارة عن تنقيبات تجريبية.[55] وتضم هذه المخطوطات مايزيد على 970 قطعة مخطوطة، بعضها مما سمي لاحقا الكتاب المقدس وبعضها من كُتب لم تكن تعرف أو كانت مفقودة. أول من عثر عليها راعيان من بدو التعامرة المتجولين، كما تم اكتشاف المزيد بين عامي 1947 و 1956 في 11 كهفًا في وادي قمران. وقد أثارت المخطوطات اهتمام الباحثين والمختصين بدراسة نص العهد القديم لأنها تعود لما بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الأول منه.[56][57][58]
استكشاف البحر

قارب بعثة الإستكشاف الأمريكية بقيادة وليم فرانسيس لنش في البحر الميت، 1848. وتبدو خلفهم تلال الملح.
بدأ الاهتمام الغربي باستكشاف نهر الأردن والبحر الميت في أواسط القرن التاسع عشر، وذلك من خلال بعثة أمريكية برئاسة الضابط وليم فرانسيس لنش، الذي زار المنطقة في عام 1848 لأهداف إقتصادية وعلمية ودينية. وتنبع أهمية هذه البعثة من كونها أول بعثة أمريكية ناجحة أرسلت إلى حوض الأردن والبحر الميت، حيث أبدى لنش اهتمامًا واضحًا بالمنطقة، وذلك بدراسة إمكانياتها المائية والمعدنية، كما دعى إلى توطين اليهود في الأردن وفلسطين، قبل أكثر من قرن ونصف.[59][60][61]
لم تكن بعثة لنش البعثة الغربية الأولى إلى منطقة نهر الأردن والبحر الميت، حيث زار الأيرلندي كرستوفر كوستجان وادي الأردن في عام 1835، لكنه مات بعد دخوله البحر الميت. وقبل مجئ لنش بقليل، وتحديداً في عام 1847، زار الإنجليزي توماس مولينكس، من البحرية الملكية البريطانية المنطقة، لاستكشاف البحر الميت، لكنه مات بعد أسبوعين من إتمام مهمته. ويظهر أن لنش كان مدركاً للصعوبات والأخطار التي مر بها سابقوه، لذلك نزل في مدينة عكا على الشاطئ الشمالي لفلسطين في 4 نيسان/ أبريل 1848، حيث أحاط السكان المحليون بالبعثة الأمريكية، وقطع بعدها لنش ورفاقه مسافة 25 ميلاً من شاطئ البحر المتوسط عبر الجليل في خمسة أيام.[62]

ينابيع مياه عذبة في قاع البحر الميت.
بدأ لنش رحلته من بحيرة طبريا عبر نهر الأردن إلى البحر الميت.، حيث استغرقت الرحلة ثلاثة شهور (نيسان - حزيران 1848). وبعد وصول لنش للبحر الميت في نيسان 1848، أثرت طبيعة التربة ومنظرها العام في نفسه سلبًا، على الاهتمامات المستقبية للمنطقة، فالملح الخارج عن البحر الميت مغطيًا الحجارة، وطبيعة النباتات في المنطقة تشكل نقاطاً لتساؤلات مفيدة. كما رأى أن المساحات المحيطة بوادي الأردن وخاصة على الجانب الشرقي منه كانت جافة وصلبة. وخلال جولة لنش في البحر الميت التي استمرت ثلاثة أسابيع رسم بعض الخرائط لشواطئ البحر، واستكشف المرتفعات المحيطة به.[63]
من جانب آخر، اكتشف العلماء مؤخرًا العشرات من ينابيع المياه العذبة على طول ساحل البحر الميت وعلى عمق من 30 - 100 قدم تحت قعر البحر. أهمية هذا الاكتشاف تنبع في فهم أكثر للتوازن البيئي للبحر الميت.[64] وقد وجد العلماء العديد من الحفر كل منها بعرض حوالي 10 أمتار في الجزء السفلي للبحيرة، وهي مغطاة بطبقة رقيقة وغريبة من أنواع بكتيرية جديدة.[65]
أهمية دينية

جبل سدوم في فلسطين، وتبدو صخرة زوجة لوط.
ارتبط البحر الميت تاريخيّا بقصة قوم لوط التي ذُكرت كثيرًا في الكتب السماوية. ولوط هو إبن أخ النبي إبراهيم هاجرا من العراق إلى الشام في القرن التاسع عشر قبل الميلاد. وقوم لوط هم من أصل عربي قحطاني أصولهم تعود إلى الجزيرة العربية، سكنوا منطقة جنوب البحر الميت بعد الهجرة العربية الأولى التي خرجت من الجزيرة العربية باتجاه الشمال، وتحديدًا بلاد الشام.[24]
وكان هؤلاء القوم معروفين بممارسة اللواط. وقد ذكرت الكتب السماوية قصتهم بعد أن سئم لوط منهم ويئس من هدايتهم، فتعرضوا لعذاب أدى إلى تدمير قراهم الخمس عن بكرة أبيها. ووردت قصتهم في القرآن سبعة وعشرين مرة في 14 سورة.[13]
ولقد ورد البحر الميت في الإنجيل تحت مُسمّيات مختلفة مثل "بحر الملح" و "بحر العربة" و "البحر الشرقي" وغيرها.[66][67][68] كما وردت قصة لوط في التوراة في عدة مواضع من سفر التكوين.[69]
الحياة البرية
Crystal Clear app kdict.png مقالة مفصلة: الحياة البرية في الشام

وعل نوبي بالقرب من البحر الميت.
تتميز مناطق غور الأردن (من بحيرة الحولة جنوباً إلى جنوب البحر الميت) عن غيرها بالمناخ شبه المداري وقلة حدوث الصقيع، مما يسمح لنباتات استوائية وشبه استوائية بالنمو. أدخلت نباتات مثل النخيل والموز والحمضيات. من أمثلة النباتات البرية في هذه المناطق الغاب العملاق في مناطق المجاري المائية والوديان. تتميز منطقة النقب ببعض الأنواع التي تعد امتداداً للغطاء النباتي في إفريقيا. من هذه الأنواع العشار الباسق (باللاتينية: Calotropis procera) وأربعة أنواع من السنط أحدها السنط الملتوي (باللاتينية: Acacia tortilis). وتشتهر منطقة البحر الميت باحتواءها على نمط النباتات الملحي، والذي ينتسر أيضًا حول واحات الأزرق، وغور الأردن. وتختلف نباتات هذه المناطق باختلاف درجة ملوحتها وبالتالي قدرة النبات على تحمل الملوحة. ومن نباتات هذا النمط الغرقد والاثل. كما تحوي المنطقة على نمط الغابات الاستوائي، ومعظم الغطاء النباتي في هذا النمط قد تعرض للتدمير بسبب انتشار الزراعة المكثف. وتعتبر نباتات السدر والطلح من أهم نباتات هذا النمط.[70]

محمية عين الفشخة أحد المحميات الواقعة على الجانب الغربي.
كذلك، توجد أجناس نباتية تتواجد في معظم البيئات الشامية المذكورة أعلاه مثل السوسن الذي ينتشر منه أكثر من ثلاثين نوعًا تتوزع على مختلف مناطق الشام حسب تأقلم كل نوع منها. كذلك ينتشر أكثر من خمسين نوعًا من جنس الثوم (الفصيلة الثومية) وأربعين من القنطريون (الفصيلة النجمية) في مناطق الشام المختلفة من مرعش إلى سيناء. هناك أيضًا أكثر من ستين نوعًا من جنس السيلينة من الفصيلة القرنفلية تنتشر في مختلف المناطق وسبعة وثلاثون نوعا من الأربيان من الفصيلة النجمية.[71][72] وينتشر أيضًا في هذه المنطقة نبات قتاد البحر الميت، وهو نوع نباتي عشبي من جنس القتاد.[73]
ويقع على الجانبين الشرقي والغربي من البحر الميت عدد من المحميات الطبيعية التي تحوي تنوعًا كبيرًا في الكائنات الحية المختلفة. وتُعد محمية الموجب الممتدة بين محافظة مادبا و محافظة الكرك في الأردن من أهم تلك المحميات، حيث يعيش فيها العديد من الحيوانات البرية مثل الماعز الجبلي وهو نوع من الماعز، الغزال الجبلي، الذئب، الوبر، والضبع المخططة، والقطط البرية مثل الوشق النادر الوجود في الأردن والنموس وغيرها. كما توجد في المحمية أنواع كثيرة من الطيور بلغ عدد أنواعها أكثر من 150 من بين المحلية والمهاجرة منها الشنار والسفرج والقبرة المتوجة والأبلق الحزين والسوادية والبلبل والغراب المروحي الذنب مثل الرخمة المصرية، وعقاب البادية والعويسق وعقاب بونيللي.[74][75]
السكان
تشير المصادر التاريخية، إلى أن تاريخ الاستيطان البشري في منطقة البحر الميت وتحديدًا الجزء الجنوبي منه يمتد إلى الألف الثالث قبل الميلاد. حيث كان مركزا حضاريًا في الفترة التاريخية من 3300 ق.م إلى 2300 ق م. وقد اُستدل على ذلك من خلال الحفريات التي اُجريت في منطقة غور المزرعة، وتحديدًا باب الذراع، حيث عُثر هنالك على أكبر مقبرة في الشرق القديم والتي يعود تاريخها إلى أقدم من خمسة آلاف عام في العصر البرونزي المبكر. وفي الألف الثاني قبل الميلاد، وتحديدًا في 1900 ق. م. كانت منطقة الحوض الجنوبي تعج بالحضارة، وهي الفترة ذاتها التي عاش فيها لوط حسب معظم المصادر التاريخية. وكان فيها خمسة مدن مزدهرة هي: سدوم، عمورة، زغر، أدمة، وصوبيم. و شهدت في تلك المرحلة خسف ودمار لتلك الحضارات. وقد تم الاستشهاد بما نزل من آيات القرآن، وبعض الكتب المقدسة وأراء الكثير من المفسرين وربط ذلك مع التاريخ الجيولوجي لمنطقة البحر الميت.[45]
المجتمع المحلي

رجل عربي من سكان المنطقة، 1919.
يعيش اليوم على الجانب الشرقي من البحر الميت حوالي 70,000 نسمة، يتركز معظمهم في بلدات فيفا وغور الصافي ومدينة البوتاس والكفرين. بالإضافة إلى الآلاف من الذين يعملون في الصناعة والسياحة في محافظتي الكرك و مادبا. يوجد في منطقة غور الصافي نشاط زراعي واسع، حيث يجذب بعض العمالة. ويتركز النشاط السياحي في الجزء الشمالي الشرقي حيث تتركز الفنادق الأردنية. ويعمل في هذا القطاع حوالي 20 ٪ من المشتغلين في تلك المنطقة. كما توظف المصانع الكيماوية حوالي 20 ٪ منهم، أما الباقي فيعمل في قطاع الخدمات. وتخضع المنطقة الشرقية للبحر الميت لسلطة وادي الأردن.[76]
ويشكل لواء الأغوار الجنوبية التابع لمحافظة الكرك الأردنية جزءاً كبيرًا من هذه المنطقة، والذي يتجاوز عدد سكانه المقيمين إقامة دائمة 49,000 نسمة حسب إحصائيات دائرة الأحوال المدنية والجوازاتفي الأردن للعام 2008. وهم يعتمدون على الزراعة بالدرجة الأولى بحكم الطبيعة الجغرافية للمنطقة. ويُقدر عدد العاملين في هذا القطاع بحوالي 60% من السكان ذكورًا وإناثًا. وتعد الصافي من أكبر التجمعات السكانية.[77]
أما على الجانب الغربي، فيعيش في المنطقة الشمالية الغربية، وتحديدًا بالقرب من أريحا وضواحيها 25,000 نسمة. ويعمل سكان هذه المنطقة بشكل أساسي في الزراعة والخدمات. كما يوجد عدد من المستوطنات الإسرائيلية على هذا الجانب يسكنها حوالي 2,500 نسمة، وتديرها المجالس الإقليمية المحلية، ويبلغ عدد هذه المستوطنات 12 مستوطن وتجمع سكني. هذا بالإضافة إلى البدو الذين يأتون في كل يوم لمنطقة أريحا من عراد والقدس و ديمونة و بئر السبع. تشغل السياحة الجزء الأكبر من عمل الموظفين في الجزء الغربي من البحر الميت، حيث يعمل فيها حوالي 5,000 موظف. أما الباقي، فيعملون في الزراعة والخدمات.[7