سبر الذات والكتابة لمدة خمسين عاما مضت من حياتي, كشفا لي عن مفارقة جوهرية تلازمت مع السيرتين معاً, وهي تتلخص في أن ما كنت أطلبه وأجدّ السير إليه, غالبا ما أخطأته, ووصلت إلى سواه, وأن ما وصلت إليه, لم يكن في الكثير من الأحيان, من طلبي.
وحين أخذت المعول, وبدأت الحفر, وصلت إلى مناطق كثيرة بيضاء من الماضي, غير ممسوسة بأثر, كما لو أنها غير معيشة أو غير محروثة, وطالعتني فجوات في الأعماق, مملوءة بالنسيان.
فأنا لا أملك الادعاء, مثلاً, بأنني شاركت في اختيار ولادتي عشية يوم ما من أيام شتاء العام 1942, في قرية من قرى الجنوب اللبناني هي قرية (بيت ياحون), من أعمال جبل عامل, وأن يكون أبي هو الشيخ علي شمس الدين نفسه, وأمي آمنة بنت الشيخ زين العابدين, فهي حادثة حدتث بنتيجة قرانات فلكية وإلهية غامضة. وأسأل نفسي أحياناً: هل أنا اخترت حقا أن تكون زوجتي هي (خديجة), وأبنائي هم أبنائي, وبناتي بناتي? بناتي الأربع: سمر ورباب وسوزان وآسيا, وابني الوحيد (علي).
وها عشرون عاما من حياتي الأولى في الريف الجنوبي تمضي, ولا تترك سوى ذكرى صوت, وذكرى مشهد.
ذكرى صوت: الجدّ / الطاحونة
أما الصوت فصوت جدي الشيخ, وهو يردد تراتيله الدينية وأشعاره الحزينة على مسمعي, فتشربها روحي كإسفنجة. وكان الرجل, غالبا ما يتكلم, مغمض العينين, على غرار عرّافي (دلفي), يتمدد على طرّاحته المعهودة في صحن الدار, يسند ظهره بمسندين, يضع ساقا فوق ساق, ويبدأ بالكلام, مغمضا عينيه. سألته عن ذلك, قال: هكذا أرى أكثر. كان يروي كمن يغرف من جوف حلم.
وكان طاحونة كلام. يبدأ بالصلوات والأوراد في الفجر الباكر, ولا ينتهي النهار إلا ويكون ضخّ في منزلنا الكائن على كتف النهر, ما يعادل تدفقات المياه الهادرة في أسفل الوادي, وكان في فم الوادي, على النهر, طاحونة تتحرك رحاها بقوة دفع المياه.. فكان يخيل إليّ وأنا في أيام الصبا (عائشا في كنف الجد), أنني أعيش بين طاحونتين: واحدة في الأعلى وثانية في الأسفل.
الأيام العميقة التي قضيتها في كنف الجد, تتجاوب في رأسي وفي مكان ما بين الحنجرة والقلب, مثل خفق أجنحة وأدعية وتلاوات حزينة, وكربلائيات وأشعار, غالبا ما التقطها سمعي, وأُشْرِبتها نفسي, إشرابا, حتى غاصت في الداخل مثل مياه الآبار الجوفية.
ولم أكن أفهم لماذا كان يخاطبني بصيغة الجمع, حيث لا يكون سوانا في المجلس, إلا أنني أفترض أنه كان يوجّه خطابه إلى جيل.. جماعة.. أكثر من واحد, ويعتقد أنه ليس ثمة من أمر في هذا العالم, سوى الصلاة.
قلت له, بعد أن عشنا الحرب الأهلية في لبنان: والحرب?
قال: وهم.. الحرب عابرة.
قلت له: والذين يموتون هنا وهناك في الشوارع, وعلى الحدود.. والمعارك?
قال: وهم.. بلاء وابتلاء.. بلاء وابتلاء.. عليكم بالصلاة.
وكانت تأتي إليه نساء القرية ورجالها وأطفالها, ليكون لهم الطبيب وصاحب الرقية وكاتم الأسرار. تمّت غالبية ولادات القرية بين يديه, وأعراسها عقدت بيديه أيضا, والموتى الذين غادروا إلى ظاهر البلدة, شيّعهم وكفّنهم وأودعهم في التراب, والأغنام الشاردة, أو تلك التي ندّت عن القطيع, فضاعت في شعاب الجبل, كان يعقد عنها (لسان الوحش), والمرضى من صغار القرية, يحملهم إليه آباؤهم أو أمهاتهم, فيرقي جبينهم بكلام الله. وهو الآن, إذ ينام نوم التفّاح تحت بلاطة ناتئة في حديقة منزلنا, تتناهى من قبره إليّ, أصوات خفية, همسات سفلية, أدعية, كلمات,... وحين أجلس في المنزل القديم, على كتف النهر, وحدي, عند المساء, أحس تنبعث من زوايا المنزل نداءات قديمة, وينفتح مجرى في الجدار, تحت صورته هناك, وهي لا تزال معلقة وشاخصة.
وِجاقُ النار لا يزال مشتعلاً. وجاق كبير تلتمع فيه الأحطاب وهي تتحول إلى جمرات متقدة يتطاير منها الشرر, ويستلقي الشيخ أمامه كما لو أنه ينام على أيامه, وأنا قربه, وهو يروي لي سِيَراً كثيرة. ولأنه يلقي بالكلمات إلى وجاق النار, ليزيدها اشتعالا, ويطعّم كل حكاية من حكاياته بأبيات من الشعر.. حتى كأنه كان لا بد من الشعر من أجل الحكاية.
من هنا كانت الأشعار, على الأرجح. ومن هذا الصبا العميق تكون حبي للكلمات والموسيقى.
أذكر من غنائه قوله:
بالأمس كانوا هنا واليوم قد رحلوا وخلّفوا في سويدا القلب نيرانا نذراً عليّ لئن عادوا وإن رجعوا لأفرشنّ طريق الطفّ ريحانا
وكان يردد هذين البيتين بصوته الكربلائي الشجيّ فتصعد الدموع إلى عينيّ, حتى حسبت أن الأرض رحيل وأن الشعر ليس سوى الرحيل.
لم تكن لديّ, في صباي, أفكار واضحة عن الحياة والموت والحب والله والحروب والخديعة, وما يحيط بي في عالم القرية من أحوال وحياة بدائية, فنشأت على أرض يتقاطع عليها الدين بالمعتقدات الشعبية الواصلة لحد الخرافة والسحر.
وقد ظهر ذلك في شعري فيما بعد, على ما أحسب, حيث اللغة والصورة تصعدان من أرض الواقع ومكانه في اتجاه السحر.
والأمر لم يكن حزيناً جداً في تلك الآونة. فأحزان الماء والقرى الجنوبية كانت حزناً جميلاً: القرويون الفقراء والدموع والآنية المملوءة بالماء والسوق والليل والساحرات, وأول وجه مدوّر أحببته في حياتي (وجه نوال..) كل ذلك ينساب الآن أمام عيني كشريط من سنونو معلقات على سلك في طريق القرية.
ذكرى مشهد الغيوم على الأفق
شريط الفيلم على الأفق السائل, في أيام الخريف والشتاء, من جهة الغرب, هو في أساس مخيلتي الصورية. أشكال الغيوم, على الأفق, وهي تتساحب أمام عيني تجعلني كأنني جالس وحدي في سينما الكون, وعروض السماء تخلب لبي, وتفتح مخيلتي لحكايات أشكال الغيوم المتغيّرة, وتجعلني على صورة الكائن المسحور بموسيقى ما أرى وأسمع وحدي, في هذا العالم, تحت خلاء القبّة, وأنا على مقعد من حجر.
وكنت مشغوعاً برصد تحولات الفصول والطبيعة وهي تبدل جلدها, وتتقلب مع الأيام تقلّب الإنسان على درجات العمر, فمفاصل الفصول كانت مدعاة حزن وتأمل وتفعل بي فعل البحار ببحار وحيد على مركب في اللجج البعيدة.
في الشتاء, أتلصص من وراء النافذة على المطر العظيم الهادر كاسح الحقول, فحل الفضاء النازل على الأرض, وربما تقطّع المطر على الزجاج وكَرَجَتْ حباته كدموع حقيقية, وأنا, مثل السنجاب, أربض وراء الزجاج, والمطر ينقر في قاع النفس نقراته الرتيبة التي لا تزال حتى اليوم, تنقر هكذا: طق طق طق... وأعجب ما حملته من تلك الطبيعة الجبلية القاسية, شغفي بل هوسي بأن أمشي ضد العاصفة حين تهب في الأعالي. أغافل أهلي حين تبدأ الرياح بالهبوب, والمطر ينسف البراري والحقول, والعاصفة تتحرك وتحدث أصواتها الوحشية بين الأشجار, ما يشبه سيمفونية القوة التي كتبها فاجنر, وتتسلل بين القصف والغزار, فأخرج إلى البريّة, أخرج إلى العاصفة, وأمشي وحدي في الحقول مبتهجا بما لا يمكن وصفه من الأصوات والمشاهد, ومن كان يراني على هذه الحال, كان يقول هو ممسوس بالمطر والرياح. ولم يكن ذلك بالنسبة إليّ سوى نداء العاصفة.
من هنا, على الأرجح, أتى عنف اللغة التي كتبتُ بها قصائدي في مجموعتي الأولى الصادرة عن دار الآداب العام 1975 بعنوان (قصائد مهرّبة إلى حبيبتي آسيا) وربما كان المقطع الأوّل من قصيدة (ارتعاشات اللحظة الأخيرة) (كتابة 1972) يشير الى هذا العنف:
تهبّ الريح من فلواتي الجرداء, تقلع من منابتها جذور الرعشة الأولى وتلقيها على فلوات صدرك برعما من دم أنا: لا الري يرويني, ولا نهر فيسقيني, وبي ظمأ, وما لي فم حملت الجرح والإعصار في كبدي حضنت العشب والأطفال وحين رجعت من ترحالي الأبدي غسلت الجرح في نيل من الكبريت والأوحال
من هنا تأتي اللغة غير المدجّنة التي كتبت بها قصائد دواويني الأولى, فظهرت مثل أحصنة وحشية بلا أعنّة ولا ساحة. وهي خرائب الجسد عينه, عليها ينزف شيء ما من الدم الأول, فأرفعه كجرح يشخب من نافورة, يشخب للنسور الجائعة والبلابل في الأمطار, والأطفال المذبوحين على عتبات النهر, وموسيقى الأفلاك المختلطة والفوضى الكونية, وأشقّ ضريح النار بحنجرتي, فأنا أحسّ هكذا بروحي مأسورة في آبار عميقة, وبالشعر, رغبت في إطلاقها.
ولو شئت اليوم أن أعيد ترتيب تلك الأيام, لأشرت إلى المكان الأول: المنزل البدائي الموصول بالوعر, هذا الصحن الطبيعي بعنفه وجماله, ما زال يحفر في كتابتي حزوزا لا تندمل.
في وسط الدار, ساحة وبعض أشجار التين والعنب. وكانت تربط إلى جانب التينة, حمارة كانت صديقتي في أيام الصغر, كما كان يربط البقر في إحدى غرف المنزل, وننام معاً نحن والأبقار والقطط, ولا يفصل بيننا سوى مصطبة ومعلف, وكانت القطة صديقتي وتنام معي في الفراش وتتمسح بي كبنت.
وفي الدار كان ثمة تنّور لصنع الخبز والكعك ودجاج وبيض وعصافير كثيرة وبعض الأفاعي. هذه البدائية السحرية للمنزل الأوّل في القرية, تجعلني ألتفت التفاتة الحالم إلى هناك. في الشعر والخطاب: أقول: آه ما أجمل الحيوان.
من بعد ذلك جئت إلى بيروت. عشت في المدينة كالغريب. صحيح أنها كانت بالنسبة إليّ المدرسة والجامعة, المكتبة والسينما ومركز العمل, إلاّ أن عنقي بقيت ملويّة إلى هناك: إلى الريف الجنوبي المبتعد ولم تستطع الأيام أن تمحو من نفسي ذاكرة الحب والقلق وتوفّز الحواس والجسد والخوف ومتعة العناصر والانجراف نحو الصمت الديني العميق.
التهمت مكتبات بكاملها في أكثر من مكان. قرأت مكتبة الجدّ في القرية, وباكراً عرفت المعرّي والمتنبي والشريف الرضي والتوحيدي, والجاحظ, واستولى عليّ المعرّي بشكّه وقلقه, فصنع لي أشعار الصبا. وأول ما كتبت, من ناحيته, وأنا في الخامسة عشرة من عمري, هذه القصيدة:
(1)
(بحّ قيثاري فلا لوم عليّا أن يموت الوجد في الدنيا وفيا فجري المشحون سحراً أسوداً لم يلد بعد ولم يشرق عليّا والرمال الحمر صلّت في دمي والحراب السود غشت ناظريّا استدرّ اللعن حتى أنني بتُّ أخشى رحمة الله عليّا
(2)
أنا مجهول وحسبي أنني عشت هذا العمر في اللازمن أقطع الأيام وحدي كي أرى نفسي الولهى وألقى بدني ذرّة الرمل التي لم أرها في صحارى الأرض كانت وطني تشرب الماء مزيجا عكرا من وحول الشمس فوق القنن
وباكرا قرأت ألبير كامو, وتأثرت بروايته الشهيرة (الغريب), حتى كدت أتقمّص شخصيته, وكان لي فيما بعد, تماسّ قويّ مع ديك الجنّ الحمصي وجبران والسياب والماغوط, وفان جوخ وجوجان ودالي وفرنسيس بيكون, وتأثرت بالسينما الأمريكية, وبالروايات والمسرحيات الحديثة, كما أخذت من السريالية بنصيب.. إلا أنني, في كل حال, لست شاعرا مدرسياً, وأعتبر كل معطى مدرسي أو غير مدرسي في الحياة والثقافة, مادة يمكن أن تدخل في ملكوت القصيدة وتغتسل بمائها.
في بيروت, وعن دور نشرها المعروفة (دار الآداب, والمؤسسة العربية للدراسات والنشر ودار الجديد), صدرت مجموعاتي الشعرية على التوالي بين عامي 1975 و2001. ومنها انطلقت إلى العواصم العربية وبعض العواصم العالمية. فقد قرأت شعري في جميع العواصم العربية, وعدت بالشعر من خلال ذلك إلى أوله في الرحيل. وأسأل نفسي: هل وجه الذات هو وجه القصيدة? وأجيب: لا ونعم. يوما عن يوم, يتكشف لي أنّ للكلمات أسراراً وأسفاراً قد تتقاطع مع أسرار وأسفار الذات في حياتها ووقائعها أو تتباعد عنها. فليس بالضروري أن يكون وجه القصيدة هو عينه وجه الحقيقة. أعني أن سرد الذات في علاقتها الحية والعملية بحياتها, قد يختلف عن سرد القصيدة, وقليلاً ما تكون القصيدة وصفاً شعرياً للحياة, فالقصيدة ما هي إلا وصف شعري لذاتها, وهنا مسألة لا بد من التوقف عندها بشيء من التفصيل. إنه من الثابت أن تفاصيل الحياة ووقائعها إنما تحصل في أطر تاريخية واجتماعية محددة من الزمان والمكان لكن القصيدة تأتي بخلاف ذلك في الأغلب, ففي وجه موضوعية الحياة في (السيرة), تنهض العوامل الإيحائية في القصيدة, ولعله في القصيدة (بخلاف التاريخ) غالباً ما تخون النتائج أسبابها. ففي أشدّ حالات الصفاء الطبيعي والاجتماعي (حالات السلم الاجتماعي في لبنان ماقبل 1974) كانت النفس مضطربة وكتبت تفاصيل حرب مقبلة وكأنها ماضية, وفي أشد حالات الحرب اشتعالاً وأزمات, كتبت قصائد الجد واللطف والتصوف... كما في ديوان (أميرال الطيور). يضاف إلى ذلك أنّ اللغة, وهي جسد القصيدة, فإنها تختلف عن جسد السيرة الحياتية, من حيث كونها قابلة للتأويل وحمّالة أوجه. إن الأقنعة المستعملة في النص الشعري تجعل منه نصا يكاد يكون قائما بذاته. لذا, فإنني أقول: في القصيدة لا واقع في الواقع, وأميل في النتيجة إلى اعتبار الشعر كتابة حلمية ونص القصيدة نصا سحريا.
إنني شديد الشغف بكتب التاريخ والسيرة والفلسفة. أعتقد أن الشعر يطلع من هذا القاع وليس من اللغة. لكنني أقول إن الشعر يبدأ من حيث ينتهي التاريخ وتنتهي الفلسفة. فثمة صراع تخوضه القصيدة مع ذاتها ومع المحيط الذي يحتويها ومع الأفكار أيضاً.
وقد مرّت القصيدة, من حيث جوهرها وأداء كتابتها (تقنيتها) لديّ, بمراحل شتّى, وكانت في الدواوين الأولى (قصائد مهرّبة إلى حبيبتي آسيا) و(غيم لأحلام الملك المخلوع) و(الشوكة البنفسجية). من كتل هندسية وإيقاعية تحملها لغة أصولية ذات أصل ديني, قرآني على الأغلب, وتتدافع في كل اتجاه كفحول المياه.
ثم, في الدواوين التالية, مثل (أما آن للرقص أن ينتهي?) و(أميرال الطيور) و(يحرث في الآبار) و(منازل النرد), اكتشفت أن اللغة, التي هي أجنحة القصيدة, عبء عليها. فما العمل?
هذا الصراع مع اللغة بدأت تظهر علاماته منذ ديوان (أناديك يا ملكي وحبيبي) (العام 1979) وعبرت عنه في ديوان (طيور إلى الشمس المرّة) حيث أقول في قصيدة (ذكر ما حصل للنبي حين أحبّ): (كان يلزمني كي أفسّر) هذا العذاب قليل من الشعر, لكنني لم أكن شاعراً, ما الذي كان يفعله الشعراء قبلي لكي يصلوا? إنها حالتي: أرى لا أقول)... ما قادني إلى مغالبة الحال, والوصول إلى قصائد الصمت أو الرماد وأخيراً إلى قصائد الوجد العرفاني:
(يا مولاي/ أمرتني شفتاكْ/ حين أهاجر نحوك في موكب أسراري بالصمت/ ولهذا فأنا أكتب أشعاري بدم أبيض).
ولا أنسى الرماد أيضاً أو العدم:
(يأتي من جهة البحر ومن جهة الصحراء/ طفل بدم أبيض/ بقنابل ضوء فوسفورية/ بحمام أو بطباشير/ ويدوّن فوق اللاشيء هواجسه: لا شيء).
لعلّني لستُ نوتيّ هذه السفينة
أخيراً: للذات حياة, وللكلمات حياة. ما يستلزم سبراً مزدوجاً لأعماق هذه وتلك, وقد تلتقيان. والأمر شبيه بالغوص على الأجسام الضخمة لسفن غارقة في المحيط, ولا يطفو على سطح الماء منها, سوى بقع من زيت, أو أخشاب قليلة, وفي غالب الأحيان, لا شيء منها على السطح ليطفو, أو ليشير إلى وجودها في القاع.
سوف يكون من الصعب الوقوف على محطات راسخة في ظاهر حياة سرديّة لايفصل الليل عن النهار فيها سوى حجاب مستور. فالأيام من البعيد, تتشابه كموج البحر, ومع ذلك, فثمة مركب ما, مائل, ويتقدم, في مقدمته رجل يمسك بمجدافين, ويحمل معه عائلة وعلماً واسماً ودواوين, والذي يراه من بعيد, يقول إنه يتقدم, والحقيقة أنّ الماء يتقدم به, واتجاهات الرياح أيضاً. ولعلّني لست نوتيّ هذه الرحلة. ولو طرحت الآن ساعات النوم والطعام والكسل والعمل الذي لا أرغب فيه من مدة هذه الحياة, لبقي لي أقلُّ من خمسها.
نعم
لقد عشت خُمس الحياة.
إنها تكفيني
إنها حياتي الداخلية.
