لله درك من شهمٍ له قدمٌ
في العلم راسخةٌ ما كل أو نكلا
يا ناصر الدين قد أحييت مدرسةً
أستاذها المصطفى فافخر به عملا
يا ناصر الدين قد فجرت جاريةً
من نبعها كل شهمٍ عبَّ أو نهلا
في عام اثنتين وثلاثين وثلاثمئة ألف من الهجرة، وفي  مدينة "أشقوردة" عاصمة ألبانيا خرج إلى الوجود طفل ألباني، ويا لله! ما أوسع علمه وحكمته؛ فهو سبحانه العالم وحده بأنه سيكون لهذا الطفل شأن عظيم.
كان والد هذا الطفل من علماء بلده، ومن فقهاء المذهب الحنفي، ونشأ المولود بين سمع والده وبصره، يغذوه من العلوم النافعة، والآداب السامية.. هاجر الوالد بأسرته إلى دمشق، وكان ذلك في عهد حكم الشيوعي "أحمد زوغو".. هاجر الوالد فراراً بدينه؛ لما رأى انتشار الفساد على يد الحاكم الشيوعي. وهاهي دمشق تفتح ذراعيها لاستقبال ذلك المولود، الذي سيكون له شأن على ترابها في يوم من الأيام!
وفي دمشق فتح الوالد محلاً لإصلاح الساعات، وهي مهنة تعلمها في (فينا) عاصمة النمسا، ويجانب صنعته هذه كان يقوم على أمر بعض مساجد دمشق.
ويُدخل الوالد ابنه المدرسة ليتعلم الكتابة والقراءة، وتلوح على الصغير ملامح الذكاء والنجابة، واجتاز الصغير المرحلة الابتدائية بتفوق.
ولما كانت المدارس وقتها ضعيفة في العلوم الدينية؛ رأى الوالد أن يخرج ابنه من المدرسة، ووضع له برنامجاً علمياً مركزاً، حيث درس الصغير على والده القرآن والتجويد والصرف وفقه المذهب الحنفي.. وهكذا بدأت حياة هذا الصغير؛ فتفتَّق لسانه على قراءة كتاب الله تعالى.. وعلوم العربية، والفقه في الدين.. ليكون بعد ردح من الزمان محدث العصر وبطل راية الإسناد! ذلكم هو: أبوعبدالرحمن محمد ناصر الدين ابن نوح بن نجاتي بن آدم الألباني.
رحلة الشموخ!
انطلق الإمام في رحلة طلب العلم؛ فتوجه شطر المكتبة الظاهرية في دمشق؛ ليروي ظمأه من معينها، ولم تقف الهمة عند هذه المحطة؛ بل كان ـ رحمه الله ـ يستعير الكتب من بعض المكتبات التجارية،  فأقبل على الحديث وعلومه بجد وعزم لا يلين!
ويومها قررت إدارة المكتبة الظاهرية أن تخصص غرفة خاصة للشيخ، ومنحه مفتاح المكتبة، ليواصل رحلته بأمان ونجاح، فلم تركن تلك الهمة العالية إلى الدعة والراحة؛ بل كان صاحبها يحثها بسوط العزم، حتى لا تستكين! فكانت الساعات تمضي، والألباني ثابت العزيمة، ريان النشاط.. ست عشرة ساعة من كل يوم يقضيها هذا الإمام جوالاً في بطون الكتب!
وهنالك وعلى رفوف "المكتبة الظاهرية" تراه واقفاً أكثر من ثلاث ساعات، باحثاً في بطون المطبوع والمخطوط من الكتب!
وقد كوفئ هذا الشهم على صدق نيته في طلب الحديث، فها هو العلامة المسند الشيخ "محمد راغب الطباخ" ما إن سمع بهمة ذلك الفتى، ومثابرته على طلب العلم، ودعوته للكتاب والسنة، حتى جادت يده لذلك الفتى بأغلى هدية: فأجازه بمروياته، والتي يتصل إسنادها برسول الهدى صلى الله عليه وسلم! وكان الألباني يومها في مقتبل عمره.
ظل هذا الإمام بسنة رسول الهدى حفياً، ولهديه داعياً بكرةً وعشياً، ومضى في طريق العلم والعمل، والدعوة إلى الله تعالى، لا يصده عن ذلك كيد كائد، ولا جحود معاند؛ بل مضى كالسيل الجارف، والموج الراجف.
وازدانت دمشق بدعوة هذا الإمام، فانتشرت دعوة التوحيد، وسارت السنن بين الناس، وواصل الألباني رحلته، فكانت دروسه العلمية في: التفسير، والتوحيد، والفقه، والحديث، والأدب، فترى الناس يردون إلى تلك الدروس؛ ورود الإبل الظمأى! ويصدر الجميع رياناً جذلاناً.
وقد ربطت وشيجة المنهج بين هذا الإمام وتلك الشموس الساطعة؛ كإمام العصر عبد العزيز بن عبد الله بن باز- قدس الله روحيهما - فكان بين الإمامين من الود فوق أن يصفه الواصفون، أو يترجمه الناطقون! وكم كان بين الإمامين من لقاء أكمد قلوب المبتدعين، وأسر أفئدة السلفيين. فرحم الله تعالى هذين الإمامين؛ فقد كانا حقاً قمرين للعالمين.
صفحات من حياته
لقد كان الألباني نموذجاً فريداً في سعة الصدر ولين الجانب، إن ناقشه مناقش أفسح له من طبعه ومد له من حبله، لا يتضجر إن تضجر الخصم، ولا يثور لثوران المناقش، فيجد المناظر نفسه أمام جبل لا يؤثر فيه النطح، ولا يهزه الضجيج!
فتنخفض نيران المناقش، ويذهب سخطه، فكأنما جمر صببت عليه ماءً؛ فسكن وذهبت ناره!
كانت حججه أشد من قواطع السيوف.. وبراهينه أوضح من ضوء النهار! فهاهو أحد كبار المبتدعة يطلب لقاءه، ولما جمعهما المجلس، رأى ما لم يخطر بباله! وأخذته الدهشة! وكأن نفسه حدثته: هل هذا هو الألباني الذي كنت أسمع عنه؟! وحتماً ما كان يظنه بمثل ذاك الخلق الرفيع!
ثم دارت عجلة النقاش؛ فانبهر الرجل ورأى ضوء الصباح! فأذعن إذعان المسالم، وأصر على تقبيل يد ذاك الأسد الرَّابض! لما أخذته براهين الحق ونور الحجج!
وفي مجلس من المجالس انفجر بعضهم، وأرسل قوارض الكلام على الألباني! فنصحوه أن يقابل الألباني؛ فقال: الألباني لا يقبل النصيحة!
فقالوا: هل جربت؟
قال: أنا لم أره قط، ولكن هذا متواتر عنه!
وشاء الله أن يجتمع هذا الرجل بالألباني، وثار كثورته تلك، وارتفع صوته.. ولكن تكسرت أمواجه على طرف ذلك الجبل؛ كأن لم يكن شيء! وصمد الألباني لنقاش صاحبه؛ فتلاشت حجج الرجل، وفتر بعد أن أخذته الدهشة أمام تلك السماحة الظاهرة!
فقال للألباني: أنا أحمد الله- عز وجل ـ أنك تغيرت، وأني لقيتك بعد هذا التغير!
فقال الألباني : وهل أنت التقيت معي قبل اليوم؟!
فقال الرجل: لا!
فأشار الألباني إلى رجلٍ جالس وقال: أنا لم أتغير، وهذا صحبني أكثر من عشرين سنة في الدعوة، ويعرف عني هذا!
ثم أردف قائلاً: وعلى كل جزاك الله خيراً، وأما أنا فأطلب منك المسامحة إن كنت أخطأت في حقك  في شيء، وأسأل الله- عز وجل- أن يغفر لي إن كنت أخطأت في حق أحدٍ من المسلمين، ثم بكى ـ رحمه الله-!
فأخذ ذاك الموقف بقلب الرجل، وذهب به كل مذهب فانفجر باكياً! وأقبل على يد الألباني لثماً وتقبيلاً وأصبح بعدها من الملازمين لهذا الهمام المنتفعين من هديه!
ولقد كان الإمام متواضعاً، غير ملتفت إلى منصبه، ولا مفتخراً بعلمه، وما أحلى التواضع إذا كان من رفيع المنزلة، وما أنبله إذا كان من رأس في الناس!
رأى بعضهم هذا الإمام وهو جالس ذات مرة في السيارة، فاندفع نحوه، وقال له: أأنت الشيخ الألباني؟! فتقاطرت دموع الألباني باكياً! ولما سألوه عن سبب بكائه أجاب جواب العالم الرباني: "ينبغي للمرء أن يجاهد نفسه وأن لا يغتر بإشارة الناس إليه".
وكم ردد وهو يسمع عبارات الثناء تطرق أذنه: "اللهم اغفر لنا ما لا يعلمون، واجعلنا خيراً مما يظنون، ولا تؤاخذنا بما يقولون". وعبارة أخرى لا يأتي بها إلا من خالطت قبله نفحات التواضع لطالما رددها: "أنا طويلب علم"!
يوم الوداع
على فراش المرض، وبعد رحلة امتدت أكثر من سبعين سنة قضاها في العلم، خاطبه تلميذه الوفي "محمد بن إبراهيم شقرة": "إن العظيم لا يكون بلاؤه هيناً خفيفاً! إن العظيم يكون بلاؤه على قدر عظمته، وأنت يا شيخنا عظيم، عظمك الله تبارك وتعالى بما وهبك من علم وفقه، فكان البلاء على قدر ما أولاك الله من عظمة في نفسك، وبما أولاك من علم".
فعلت ذاك الوجه بسمةٌ.. ثم تلتها الدموع.. ثم تلاها اعتذار؛ لطالما ردده وهو يسمع مثل ذلك الإطراء: "اللهم اغفر لنا ما لا يعلمون، واجعلنا خيراً مما يظنون، ولا تؤاخدنا بما يقولون". سنتان أمضاها ذاك الإمام مع المرض يعاني آلامه، وينحت المرض في ذاك الجسم الذي برته السنون بأفراحها وأتراحها!
وفي عصر يوم السبت الثاني والعشرين من شهر جمادى الثانية، سنة عشرين وأربعمائة وألف من الهجرة وفي عمان بالأردن، كان يوم الوداع!! مات المحدث.. مات العلامة.. مات فارس راية الإسناد.. مات الغيور على السنن.. مات الشامة في جبين السلفية! مات الألباني!
لا تنسين دعوةً بظهر الغيب لذاك البدر الآفل.. وترحماً على ذاك الطود الشامخ، وقل معي: رحم الله الألباني في المرحومين، وأقر عينه مع الهانئين، وحشره في زمرة الناجين، وأسكنه فردوسه مع النبيين والصديقين.
